الْإِيمَانَ مُجَرَّدَ مَعْرِفَةِ الْقَلْبِ . وَجَعَلَ الْعِبَادَ لَا فِعْلَ لَهُمْ وَلَا قُدْرَةَ ؛ وَهَذَانِ مِمَّا غَلَتْ الْمُعْتَزِلَةُ فِي خِلَافِهِ فِيهِمَا ؛ وَأَمَّا الْأَشْعَرِيُّ فَوَافَقَهُ عَلَى أَصْلِ قَوْلِهِ ، وَلَكِنْ قَدْ يُنَازِعُهُ مُنَازَعَاتٌ لَفْظِيَّةٌ . وَجَهْمٌ لَا يُثْبِتُ شَيْئًا مِنْ الصِّفَاتِ ؛ لَا الْإِرَادَةَ وَلَا غَيْرَهَا ، فَإِذَا قَالَ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الطَّاعَاتِ وَيُبْغِضُ الْمَعَاصِيَ ؛ فَمَعْنَاهُ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ ؛ وَالْأَشْعَرِيُّ يُثْبِتُ الصِّفَاتِ كَالْإِرَادَةِ فَاحْتَاجَ إلَى الْكَلَامِ فِيهَا هَلْ هِيَ الْمَحَبَّةُ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ: الْمَعَاصِي يُحِبُّهَا اللَّهُ وَيَرْضَاهَا كَمَا يُرِيدُهَا: وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ . وَأَهْلُ السُّنَّةِ قَبْلَهُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمَعَاصِيَ . وَشَاعَ هَذَا الْقَوْلُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الصُّوفِيَّةِ فَوَافَقُوا جَهْمًا فِي مَسَائِلِ الْأَفْعَالِ وَالْقَدَرِ ؛ وَخَالَفُوهُ فِي الصِّفَاتِ كَأَبِي إسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيِّ صَاحِبِ ذَمِّ الْكَلَامِ ، فَإِنَّهُ مِنْ الْمُبَالِغِينَ فِي ذَمِّ الْجَهْمِيَّة فِي نَفْيِ الصِّفَاتِ ؛ وَلَهُ كِتَابٌ فِي تَكْفِيرِ الْجَهْمِيَّة ؛ وَيُبَالِغُ فِي ذَمِّ الْأَشْعَرِيَّةِ مَعَ أَنَّهُمْ مِنْ أَقْرَبِ هَذِهِ الطَّوَائِفِ إلَى السُّنَّةِ ؛ وَرُبَّمَا كَانَ يَلْعَنُهُمْ ؛ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ بِحَضْرَةِ نِظَامِ الْمَلِكِ: أَتَلْعَنُ الْأَشْعَرِيَّةَ ؟ فَقَالَ أَلْعَنُ مَنْ يَقُولُ لَيْسَ فِي السَّمَوَاتِ إلَهٌ ؛ وَلَا فِي الْمُصْحَفِ قُرْآنٌ ، وَلَا فِي الْقَبْرِ نَبِيٌّ ؛ وَقَامَ مِنْ عِنْدِهِ مُغْضَبًا . وَهُوَ مَعَ هَذَا فِي مَسْأَلَةِ إرَادَةِ الْكَائِنَاتِ وَخَلْقِ الْأَفْعَالِ أَبْلَغُ مِنْ الْأَشْعَرِيَّةِ ؛ لَا يُثْبِتُ سَبَبًا وَلَا حِكْمَةً ، بَلْ يَقُولُ إنَّ مُشَاهَدَةَ الْعَارِفِ الْحُكْمَ لَا يُبْقِ لَهُ اسْتِحْسَانَ حَسَنَةٍ وَلَا اسْتِقْبَاحَ سَيِّئَةٍ ؛ وَالْحُكْمُ عِنْدَهُ هُوَ الْمَشِيئَةُ ؛ لِأَنَّ الْعَارِفَ عِنْدَهُ مَنْ يَصِلُ إلَى مَقَامِ الْفَنَاءِ ، وَالْحَسَنَةُ وَالسَّيِّئَةُ يَفْتَرِقَانِ فِي حَظِّ الْعَبْدِ