وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا دَعْوَى تَوَاتُرِ هَذَا عَنْ أَهْلِ الْوَضْعِ وَعَنْ أَهْلِ الْأَعْصَارِ لَمْ يَزَلْ يَتَنَاقَلُ فِي أَقْوَالِهَا وَكُتُبِهَا عَنْ أَهْلِ الْوَضْعِ تَسْمِيَةُ هَذَا حَقِيقَةً وَهَذَا مَجَازًا وَهَذَا التَّوَاتُرُ الَّذِي ادَّعَاهُ لَا يُمْكِنُهُ وَلَا غَيْرُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِخَبَرِ وَاحِدٍ فَضْلًا عَنْ هَذَا التَّوَاتُرِ الَّذِي ادَّعَاهُ .
فَصْلٌ:
وَأَمَّا حُجَّةُ الْنُّفَاةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فَإِنَّهُ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ لَفْظٌ مَجَازِيٌّ فَإِمَّا أَنْ يُقَيَّدَ مَعْنَاهُ بِقَرِينَةٍ ؛ أَوْ لَا يُقَيَّدَ بِقَرِينَةٍ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَهُوَ مَعَ الْقَرِينَةِ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ فَكَانَ مَعَ الْقَرِينَةِ حَقِيقَةً فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى . وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَهُوَ أَيْضًا حَقِيقَةٌ ؛ إذْ لَا مَعْنَى لِلْحَقِيقَةِ إلَّا مَا يَكُونُ مُسْتَقِلًّا بِالْإِفَادَةِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ . ثُمَّ قَالَ: قُلْنَا: جَوَابُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمَجَازَ لَا يُفِيدُ عِنْدَ عَدَمِ الشُّهْرَةِ إلَّا بِقَرِينَةٍ وَلَا مَعْنَى لِلْمَجَازِ إلَّا هَذَا وَالنِّزَاعُ فِي ذَلِكَ لَفْظِيٌّ كَيْفَ وَأَنَّ الْمَجَازَ وَالْحَقِيقَةَ مِنْ صِفَاتِ الْأَلْفَاظِ دُونَ الْقَرَائِنِ الْمَعْنَوِيَّةِ ؟ فَلَا تَكُونُ الْحَقِيقَةُ صِفَةً لِلْمَجْمُوعِ . فَيُقَالُ: هُوَ قَدْ سَلَّمَ أَنَّ النِّزَاعَ لَفْظِيٌّ فَيُقَالُ: إذَا كَانَ النِّزَاعُ لَفْظِيًّا وَهَذَا التَّفْرِيقُ اصْطِلَاحٌ حَادِثٌ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ الْعَرَبُ ؛ وَلَا أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ ؛ وَلَا الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ ؛ وَلَا السَّلَفُ: كَانَ الْمُتَكَلِّمُ بِالْأَلْفَاظِ الْمَوْجُودَةِ الَّتِي تَكَلَّمُوا بِهَا وَنَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ أَوْلَى مِنْ الْمُتَكَلِّمِ بِاصْطِلَاحِ