وَأَمَّا عَامَّةُ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ فَعِنْدَهُمْ أَنَّ إيمَانَ الْعِبَادِ لَا يَتَسَاوَى بَلْ يَتَفَاضَلُ وَإِيمَانُ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ أَكْمَلُ مِنْ إيمَانِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ الْمُجْرِمِينَ . ثُمَّ النِّزَاعُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَصْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الْعَمَلُ ، هَلْ يَدْخُلُ فِي مُطْلَقِ الْإِيمَانِ ؟ فَإِنَّ الْعَمَلَ يَتَفَاضَلُ بِلَا نِزَاعٍ . فَمَنْ أَدْخَلَهُ فِي مُطْلَقِ الْإِيمَانِ قَالَ: يَتَفَاضَلُ .
وَمَنْ لَمْ يُدْخِلْهُ فِي مُطْلَقِ الْإِيمَانِ احْتَاجَ إلَى الْأَصْلِ الثَّانِي وَهُوَ أَنَّ مَا فِي الْقَلْبِ مِنْ الْإِيمَانِ هَلْ يَتَفَاضَلُ ؟ فَظَنَّ مَنْ نَفَى التَّفَاضُلَ أَنْ لَيْسَ فِي الْقَلْبِ - مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَخَوْفِهِ وَرَجَائِهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ يُخْرِجُهُ هَؤُلَاءِ عَنْ مَحْضِ التَّصْدِيقِ - مَا هُوَ مُتَفَاضِلٌ بِلَا رَيْبٍ ثُمَّ نَفْسُ التَّصْدِيقِ أَيْضًا مُتَفَاضِلٌ مِنْ جِهَاتٍ:
مِنْهَا أَنَّ التَّصْدِيقَ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ يَكُونُ مُجْمَلًا وَقَدْ يَكُونُ مُفَصَّلًا ؛ وَالْمُفَصَّلُ مِنْ الْمُجْمَلِ ؛ فَلَيْسَ تَصْدِيقُ مَنْ عَرَفَ الْقُرْآنَ وَمَعَانِيَهُ وَالْحَدِيثَ وَمَعَانِيَهُ وَصَدَّقَ بِذَلِكَ مُفَصَّلًا كَمَنْ صَدَّقَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَكْثَرُ مَا جَاءَ بِهِ لَا يَعْرِفُهُ أَوْ لَا يَفْهَمُهُ .
وَمِنْهَا: أَنَّ التَّصْدِيقَ الْمُسْتَقِرَّ الْمَذْكُورَ أَتَمُّ مِنْ الْعِلْمِ الَّذِي يُطْلَبُ حُصُولُهُ مَعَ الْغَفْلَةِ عَنْهُ .
وَمِنْهَا: أَنَّ التَّصْدِيقَ نَفْسَهُ يَتَفَاضَلُ كُنْهُهُ ؛ فَلَيْسَ مَا أَثْنَى عَلَيْهِ الْبُرْهَانُ بَلْ تَشْهَدُ لَهُ الْأَعْيَانُ وَأُمِيطَ عَنْهُ كُلُّ أَذًى وَحُسْبَانٍ حَتَّى بَلَغَ أَعْلَى الدَّرَجَاتِ ؛ دَرَجَاتِ الْإِيقَانِ كَتَصْدِيقِ زَعْزَعَتِهِ الشُّبُهَاتِ وَصَدَفَتْهُ الشَّهَوَاتُ وَلَعِبَ بِهِ