الْمُفْتَرُونَ قَالَ: { بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ } أَيْ كَذَّبُوا بِالْقُرْآنِ الَّذِي لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ . فَفَرَّقَ بَيْنَ الْإِحَاطَةِ بِعِلْمِهِ وَبَيْنَ إتْيَانِ تَأْوِيلِهِ . فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُحِيطَ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ وَأَنَّ الْإِحَاطَةَ بِعِلْمِ الْقُرْآنِ لَيْسَتْ إتْيَانَ تَأْوِيلِهِ فَإِنَّ الْإِحَاطَةَ بِعِلْمِهِ مَعْرِفَةُ مَعَانِي الْكَلَامِ عَلَى التَّمَامِ وَإِتْيَانُ التَّأْوِيلِ نَفْسُ وُقُوعِ الْمُخْبَرِ بِهِ وَفَرَّقَ بَيْنَ مَعْرِفَةِ الْخَبَرِ وَبَيْنَ الْمُخْبَرِ بِهِ فَمَعْرِفَةُ الْخَبَرِ هِيَ مَعْرِفَةُ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَمَعْرِفَةُ الْمُخْبَرِ بِهِ هِيَ مَعْرِفَةُ تَأْوِيلِهِ . و"نُكْتَةُ ذَلِكَ"أَنَّ الْخَبَرَ لِمَعْنَاهُ صُورَةٌ عِلْمِيَّةٌ وُجُودُهَا فِي نَفْسِ الْعَالِمِ كَذِهْنِ الْإِنْسَانِ مَثَلًا وَلِذَلِكَ الْمَعْنَى حَقِيقَةٌ ثَابِتَةٌ فِي الْخَارِجِ عَنْ الْعِلْمِ وَاللَّفْظُ إنَّمَا يَدُلُّ ابْتِدَاءً عَلَى الْمَعْنَى الذِّهْنِيِّ ثُمَّ تَتَوَسَّطُ ذَلِكَ أَوْ تَدُلُّ عَلَى الْحَقِيقَةِ الْخَارِجَةِ فَالتَّأْوِيلُ هُوَ الْحَقِيقَةُ الْخَارِجَةُ وَأَمَّا مَعْرِفَةُ تَفْسِيرِهِ وَمَعْنَاهُ فَهُوَ مَعْرِفَةُ الصُّورَةِ الْعِلْمِيَّةِ . وَهَذَا هُوَ الَّذِي بَيَّنَّاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ اللَّهَ إنَّمَا أَنْزَلَ الْقُرْآنَ لِيُعْلَمَ وَيُفْهَمَ وَيُفْقَهَ وَيُتَدَبَّرَ وَيُتَفَكَّرَ فِيهِ مُحْكَمِهِ وَمُتَشَابِهِهِ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ تَأْوِيلُهُ . وَيَبِينُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ عَنْ الْكُفَّارِ: { وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا } وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي