أَكْثَرَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا ، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ .
وَ الْمَقْصُودُ: أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ بِالتَّوَكُّلِ فَقَطْ بَلْ أَمَرَ مَعَ التَّوَكُّلِ بِعِبَادَتِهِ وَتَقْوَاهُ الَّتِي تَتَضَمَّنُ فِعْلَ مَا أَمَرَ وَتَرْكَ مَا حَذَّرَ فَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يُرْضِي رَبَّهُ بِالتَّوَكُّلِ بِدُونِ فِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ كَانَ ضَالًّا كَمَا أَنَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَقُومُ بِمَا يَرْضَى اللَّهُ عَلَيْهِ دُونَ التَّوَكُّلِ كَانَ ضَالًّا بَلْ فِعْلُ الْعِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا فَرْضٌ .
وَإِذَا أُطْلِقَ لَفْظُ الْعِبَادَةِ دَخَلَ فِيهَا التَّوَكُّلُ . وَإِذَا قُرِنَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ كَانَ لِلتَّوَكُّلِ اسْمٌ يَخُصُّهُ . كَمَا فِي نَظَائِرِ ذَلِكَ مِثْلُ التَّقْوَى وَطَاعَةِ الرَّسُولِ فَإِنَّ"التَّقْوَى"إذَا أُطْلِقَتْ دَخَلَ فِيهَا طَاعَةُ الرَّسُولِ . وَقَدْ يُعْطَفُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ كَقَوْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ { اعْبُدُوا اللَّهَ } وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: { اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا } وَأَمْثَالِ ذَلِكَ . وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادَتِهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: { قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ } وَقَوْلِ شُعَيْبٍ: { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } فَإِنَّ الْإِنَابَةَ إلَى اللَّهِ وَالْمَتَابَ هُوَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ بِعِبَادَتِهِ وَطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ وَالْعَبْدُ لَا يَكُونُ مُطِيعًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ - فَضْلًا أَنْ يَكُونَ مِنْ خَوَاصِّ أَوْلِيَائِهِ الْمُتَّقِينَ - إلَّا بِفِعْلِ مَا أَمَرَ بِهِ وَتَرْكِ مَا نَهَى عَنْهُ وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ التَّوَكُّلُ .