وقوله: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا)
أي يقولون ، ولما حذف الفعل حذف معه الفاء
الذي يكون جواب أما ، ويوم ظرف لقوله عظيم ، ولا يكون
عند البصريين ظرفاً لقوله عذاب ، لأن الاسم إذا وُصِف لا يعمل
عندهم.
إن قيل: لِمَ كرر لفظة (فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) ؟
قيل: قال بعض النحويين: إن ذلك للتأكيد.
وتمكين المعنى فِي النفس ، وقيل: (قوله:(فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ) تمام
الكلام ، و (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) تنبيهاً أن ذلك لهم مؤبدا ،
وقيل: قوله: (هُمْ فِيهَا) راجع إلى مقتضى قوله: (ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ) وهو المسرة ، تنبيها أن تلك المسرة دائمة لا كمسرّات الدنيا التي تنقطع.
وإن بقيت أسبابها. فأحوال الدنيا وإن كانت سارة متبرم منها بدوامها.
ولهذا قيل: لَلعافية تمُل أكثر مما يُملُّ البلاء.
إن قيل: المقابلة فِي الاثنين غير صحيحة ، فإن التقابل الصحيح أن يكون المذكور فِي الثانية عكس المذكور فِي الأولى ، وليس قوله: (فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) عكسا لقوله: (أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) ؟
قيل: مراعاة التقابُل على ضربين: تقابل اللفظ ، وتقابل المعنى.
وهو أفضلهما عند أصحاب المعاني.
فالتقابل حاصل من حيث المعنى ، وعدل عن لفظ الخبر فِي قوله:
(أَكَفَرْتُمْ) وقوله: (فَذُوقُوا الْعَذَابَ) إشارة إلى ما يقال لهم ،
ونبّه أنهم يُقابلون مع العقوبة بالتبكيت ، وقد قيل: التبكيت
أعظم العقوبتين ، وأن يقال لهم: (ذوقوا) ، وذلك دلالة على مبالغة
الغضب عليهم.
إن قيل: كان الوجه أن يقال: ألستم قد كفرتم ؟
فلفظ الاستفهام فِي القرآن محمول على الإِنكار ، والإِنكار متى تجرد
عن حرف النفي يكون للنفي نحو قوله: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ) وإذا