قوله تعالى: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ(106)
ابيضاض الوجه عبارة عن المسرة ، واسودادها عن الغم.
وعلى ذلك (ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا) ، ثم قال: (مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ) .
وعلى ذلك قوله: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ) .
وهذا الابيضاض والاسوداد أبلغ من المحسوسين.
وقال بعض المتكلمين: يحمل ذلك على المحسوس.
لكونه حقيقة فيه ، وهذا خطأ ، وذلك لأنه لم يعلم
أن ذلك حقيقة فيهما جميعاً ، فليس الاسوداد والابيضاض
أكثر من كيفية عارضة فِي الوجه ، قلّ ذلك أم كثر ،
ومعلوم أن من ناله غمّ شديد يعرض لوجهه - لتبرّمه وتكدره -
اسوداد فِي وجهه ، وليس قلّة السواد والبياض مما يخرج اللفظ
عن الحقيقة ، ثم حمل الآية على هذا أولى ، لأن ذلك حاصل لأهل
القيامة باتفاق ، سواء كانوا فِي الدنيا سودانا أو بيضانا ، وعلى
ذلك (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ) وقوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ(38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ).
وأما كفرهم بعد إيمانهم فقد قال الحسن: بعد إظهارهم الإِيمان بالنفاق) ، وقال قتادة: كفروا بالارتداد بعد
الإسلام ، وقيل: بعد الإِقرار الذي اقتضاه قوله تعالى: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) .
وقيل: كفروا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن أقرّوا به قبل
بعثته ، وعموم اللفظ يقتضي كل ذلك ، ولا تنافي بينها.
وقوله: (أَكَفَرْتُمْ) تقديره: فيقال لهم: أكفرتم ؟ ، وحذف القول
من نحو ذلك كثير نحو: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ) .