ومن ذلك قوله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} [الأنبياء: 78 - 79] . . فخص سليمان بالفهم، وأثنى عليهما بالحكم والعلم، ومن هذين النصين نستخلص: أن القرآن الكريم يذكر طائفتين اختلفا، ومع ذلك لا يذمّ واحدة منهما؛ ليعلّمنا أنه في مثل هذه الأمور ينبغي أن يقرّ بعضنا بعضاً. وفي قصة سليمان وداود ما يشير - والله أعلم - إلى أن الرأيين ليسا متساويين، بل حكم سليمان أصوب؛ لأنه خص بالفهم، ومع ذلك أثنى عليهما جميعاً بالحكم والعلم.
أدب الخلاف في السنة النبوية
وقد نجد في سنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما يعلّمنا أدب الخلاف - أيضاً -، فمن ذلك رواه البخاري ومسلم عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنْ الْأَحْزَابِ لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمْ الْعَصْرُ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ نُصَلِّي لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ.