وقيل للحسن: ما الحج المبرور؟ قال: أن ترجع زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة.
وأول من كسا الكعبة الديباج عبد الله بن الزبير، وكانت كسوتها المسوح والأنطاع وكان يطيبها حتى يوجد ريحها من خارج الحرم. وكان حكيم بن حزام يقيم عشية
عرفة مائة بدنة ومائة رقبة، فيعتق الرقاب عشية عرفة وينحر البدن يوم النحر، وكان يطوف بالبيت فيقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له نعم الرب ونعم الإله أحبه وأخشاه.
ورؤي الحسن بن علي رضي الله عنهما يطوف بالبيت، ثم صار إلى المقام فصلى ركعتين، ثم وضع خده على المقام فجعل يبكي ويقول: عبيدك ببابك خويدمك ببابك سائلك ببابك مسيكينك ببابك. يردد ذلك مرارا ثم انصرف رضي الله عنه، فمر بمساكين معهم فلق خبز يأكلون، فسلم عليهم فدعوه إلى الطعام، فجلس معهم، وقال: لولا أنه صدقة لأكلت معكم. ثم قال: قوموا بنا إلى منزلي. فتوجهوا معه، فأطعمهم وكساهم وأمر لهم بدارهم.
وحج عبد الله بن جعفر رضي الله عنه ومعه ثلاثون راحلة وهو يمشي على رجليه حتى وقف بعرفات فأعتق ثلاثين مملوكا وحملهم على ثلاثين راحلة وأمر لهم بثلاثين ألفا، وقال: أعتقهم لله تعالى لعله يعتقني من النار. وقال الحسن بن علي رضي الله عنهما: إني لأستحي من ربي أن ألقاه ولم أمش إلى بيته، فمشى من المدينة إلى مكة عشرين مرة.
ومن لطيف ما أنشد عمرو بن حبان الضرير حين لم يهد إليه الحجاج شيئا:
كأنّ الحجيج الآن لم يقربوا منى ... ولم يحملوا منها سواكا ولا نعلا
أتونا فما جادوا بعود أراكة ... ولا وضعوا في كفّ طفل لنا نقلا
وقال غيره:
يحجون بالمال الذي يجمعونه ... حراما إلى البيت العتيق المحرّم
ويزعم كلّ منهمو أنّ وزره ... يحطّ ولكن فوقه في جهنم
وقال آخر:
حجّ في الدهر حجة ... حجّ فيها وأحرما
وأتانا من الحجا ... ز كما راح محرما
فهو ذو الحجة الذي ... ما توقى محرّما
وتخاصم بدوي مع حاجّ عند منصرف الناس فقيل له أتخاصم رجلا من الحجاج فقال:
يحجّ لكيما يغفر الله ذنبه ... ويرجع قد حطت عليه ذنوب
وقال أبو الشمقمق:
إذا حججت بمال أصله دنس ... فما حججت ولكن حجّت العير
ما يقبل الله إلّا كلّ طيبة ... ما كلّ من حجّ بيت الله مبرور
والله سبحانه وتعالى أعلم. انتهى انتهى {المستطرف في كل فن مستظرف، للأبشيهي} ...