أَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى - فِي الْبَيْتِ: مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فَهُوَ بَيَانٌ لِحَالِهِ الْحَسَنَةِ الْحِسِّيَّةِ وَحَالِهِ الشَّرِيفَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ ، أَمَّا الْأُولَى: فَهِيَ مَا أُفِيضُ عَلَيْهِ مِنْ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ وَثَمَرَاتِ كُلِّ شَيْءٍ عَلَى كَوْنِهِ بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ، فَتَرَى الْأَقْوَاتَ وَالثِّمَارَ فِي مَكَّةَ أَكْثَرَ وَأَجْوَدَ وَأَقَلَّ ثَمَنًا مِنْهَا فِي مِثْلِ مِصْرَ وَكَثِيرٍ مِنْ بِلَادِ الشَّامِ ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: فَهِيَ هَوَى أَفْئِدَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ وَإِتْيَانُهُ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مُشَاةً وَرُكْبَانًا مِنْ كُلِّ فَجٍّ ، وَتَوْلِيَةُ وُجُوهِهِمْ شَطْرَهُ فِي الصَّلَاةِ ، وَلَعَلَّهُ لَا تَمُرُّ سَاعَةٌ وَلَا دَقِيقَةٌ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَلَيْسَ فِيهَا أُنَاسٌ مُتَوَجِّهُونَ إِلَى ذَلِكَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ يُصَلُّونَ . فَأَيُّ هِدَايَةٍ لِلْعَالَمِينَ أَظْهَرُ مِنْ هَذِهِ الْهِدَايَةِ ؟ تِلْكَ دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [14: 37] وَقَدْ أُشِيرَ إِلَى الْوَصْفَيْنِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - حِكَايَةً عَنِ الْمُشْرِكِينَ: وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [28: 57] وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ مُبَارَكًا يَشْمَلُ الْبَرَكَاتِ الْحِسِّيَّةَ وَالْمَعْنَوِيَّةَ ، وَمَا اخْتَرْنَاهُ هُوَ