يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثناؤُهُ: {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} مَا تَشَابَهَتْ أَلْفَاظُهُ وَتَصَرَّفَتْ مَعَانِيهِ بِوجُوهِ التَّأْوِيلَاتِ، لَيُحَقِّقُوا بِادِّعَائِهِمُ الْأَبَاطِيلَ مِنَ التَّأْوِيلَاتِ فِي ذَلِكَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الضَّلَالَةِ وَالزَّيْغِ عَنْ مَحَجَّةِ الْحَقِّ تَلْبِيسًا مِنْهُمْ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ ضَعُفَتْ مَعْرِفَتُهُ بِوجُوهِ تَأْوِيلِ ذَلِكَ وَتَصَارِيِفِ مَعَانِيهِ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} «فَيَحْمِلُونَ الْمُحْكَمَ عَلَى الْمُتَشَابِهِ، وَالْمُتَشَابِهَ عَلَى الْمُحْكَمِ وَيُلَبِّسُونَ، فَلَبَّسَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ»
وعَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِهِ: {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} "يَتَّبِعُونَ الْمَنْسُوخَ وَالنَّاسِخَ، فَيَقُولُونَ: مَا بَالُ هَذِهِ الْآيَةِ عُمِلَ بِهَا كَذَا وَكَذَا، مَجَازُ هَذِهِ الْآيَةِ، فَتُرِكَتِ الْأُولَى وَعُمِلَ بِهَذِهِ الْأُخْرَى؟ هَلَّا كَانَ الْعَمَلُ بِهَذِهِ الْآيَةِ قَبْلَ أَنْ تَجِيءَ الْأُولَى الَّتِي نُسِخَتْ، وَمَا بَالُهُ يَعِدُ الْعَذَابَ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا يَعِدُ بِهِ النَّارَ وَفِي مَكَانٍ آخَرَ مِنْ عَمَلِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجِبِ النَّارَ؟"
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ عُنِيَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِهِ الْوَفْدُ مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَحَاجُّوهُ بِمَا حَاجُّوهُ بِهِ، وَخَاصَمُوهُ بِأَنْ قَالُوا: أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّ عِيسَى رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ؟ وَتَأَوَّلُوا فِي ذَلِكَ مَا يَقُولُونَ فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَبِي يَاسِرِ بْنِ أَخْطَبَ، وَأَخِيهِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ، وَالنَّفَرِ الَّذِينَ نَاظَرُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَدْرِ مُدَّةِ أُكُلِهِ وَأُكُلِ أُمَّتِهِ، وَأَرَادُوا عِلْمَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ قَوْلِهِ: «الم، وَالمص وَالمر، وَالر» فَقَالَ اللَّهُ جَلَّ ثناؤُهُ فِيهِمْ: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ}
يَعْنِي هَؤُلَاءَ الْيَهُودَ الَّذِينَ قُلُوبُهُمْ مَائِلَةٌ عَنِ الْهُدَى وَالْحَقِّ، {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ}