يُدْرِكُونَ تَأْوِيلَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ. فَإِذَا كَانَ الْمُتَشَابِهُ هُوَ مَا وَصَفْنَا، فَكُلُّ مَا عَدَاهُ فَمُحْكَمٌ؛ لِأَنَّهُ لَنْ يَخْلُوَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُحْكَمًا بِأَنَّهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ لَا تَأْوِيلَ لَهُ غَيْرُ تَأْوِيلٍ وَاحِدٍ، وَقَدِ اسْتَغْنَى بِسَمَاعِهِ عَنْ بَيَانٍ يُبَيِّنُهُ، أَوْ يَكُونُ مُحْكَمًا، وَإِنْ كَانَ ذَا وُجُوهٍ وَتَأْوِيلَاتٍ وَتَصَرُّفٍ فِي مُعَانٍ كَثِيرَةٍ، فَالدَّلَالَةُ عَلَى الْمَعْنَى الْمُرَادِ مِنْهُ إِمَّا مِنْ بَيَانِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْهُ أَوْ بَيَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ، وَلَنْ يَذْهَبَ عِلْمُ ذَلِكَ عَنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ لِمَا قَدْ بَيَّنَّا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} قَدْ أَتَيْنَا عَلَى الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ ذَلِكَ بِالدَّلَالَةِ الشَّاهِدَةِ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا فِيهِ، وَنَحْنُ ذَاكُرُو اخْتِلَافِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى قَوْلِهِ: {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} هُنَّ اللَّائِي فِيهِنَّ الْفَرَائِضُ وَالْحُدُودُ وَالْأَحْكَامُ، نَحْوَ قِيلِنَا الَّذِي قُلْنَا فِيهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنِيُّ بِذَلِكَ فَوَاتِحُ السُّوَرِ الَّتِي مِنْهَا يُسْتَخْرَجُ الْقُرْآنُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ}
يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَيْلٌ عَنِ الْحَقِّ، وَانْحِرَافٌ عَنْهُ، يُقَالُ مِنْهُ: زَاغَ فُلَانٌ عَنِ الْحَقِّ، فَهُوَ يَزِيغُ عَنْهُ زَيْغًا وَزَيَغَانًا وَزُيُوغَةً وَزُيُوغًا، وَأَزَاغَهُ اللَّهُ: إِذَا أَمَالَهُ، فَهُوَ يُزِيغَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ جَلَّ ثناؤُهُ: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا} لَا تُمِلْهَا عَنِ الْحَقِّ {بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا}
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ}