والتحقيق أن المزين هو الله تعالى كما صرح بذلك فِي قوله {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً} [الكهف: 7] وكيف لا وانتهاء جميع الحوادث إليه أظهر فِي الدنيا من الزهرة والنضارة والطيب والحلاوة ، وركب فِي الطبائع حب الشهوات والميل إلى الطيبات ، لا على سبيل الإلجاء الذي لا يمكن تركه ، بل مع إمكان رد النفس عنها ليجاهد المؤمن هواه فيقصر نفسه على المباح ويكفها عن الحرام ويتم غرض الابتلاء . أو نقول: المراد من التزيين أنه تعالى أمهلهم فِي الدنيا ولم يمنعهم عن الإقبال عليها والحرص الشديد فِي طلبها . وقيل: إن الله تعالى زين من الحياة الدنيا ما كان من المباحات دون المحظورات وهو ضعيف ، لأن الله تعالى خص بهذا التزيين الكفار وتزيين المباحات لا يختص بالكفار . وإن قيل: المراد من تزيين المباح للكافر أنه دائم السرور به . وإن قلت: ذات يده لكونه معقود الهمة به لا عيش عنده إلا عيش الدنيا ، بخلاف المؤمن فإن تمتعه من طيبات الدنيا وبهجتها وإن كثر ماله وجاهه مكدر بالخوف والوجل من الحساب فِي الآخرة . قلنا: تزيين المباح فِي نظر الكافر بحيث يفضي به إلى الاشتغال عن الآخرة مستقبح . أيضاً فالكلام فيه كالكلام فِي تزيين المحظور فيبقى الإشكال بحاله ولا مخلص إلا بإسناد الكل إليه تعالى بعد تذكر ما سلف لنا مراراً فِي حقيقة الجبر والقدر . ولما أخبر الله تعالى عنهم بأنه زين لهم الحياة العاجلة أخبر عنهم بعد ذلك بفعل يديمونه فقال: {ويسخرون من الذين آمنوا} كابن مسعود وعمار وصهيب وغيرهم يقولون: هؤلاء المساكين تركوا طيبات الدنيا وتحملوا المتاعب لطلب الآخرة . ولا يخفى أنه لو بطل حديث المعاد لكان لهذه السخرية وجه ، لكنه لو ثبت القول بالمعاد وصح كانت السخرية منقلبة عليهم لأنهم أعرضوا عن الملك الأبدي والنعيم المقيم بسبب لذات حقيرة فِي أنفاس معدودة فلهذا قال سبحانه {والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة}