ومن أحسن الذكر: ما هاج عن خاطر وارد من المذكور جلَّ ذكره ذلك الخفي
عن الاستئثار المتمكن في الأسرار من الذكر في الذكر أن يكون القلب فارغًا من
الكل، فلا يبقى فيه غير الله جل ذكره، فيصير القلب بيت الحق، ويمتلئ منه فيخرج
الذكر عن غير قصد ولا تدبير، وحينئذٍ يكون الحق المبين لسانه الذي ينطق به.
فإن بطش هذا الذاكر فيكون يده التي يبطش بها، وإن مشى يكون رجله التي
يمشي عليها، وإن سمع كان سمعه الذي يسمع به، قد استولى المذكور الحق على
الفؤاد فامتلأ به، وعلى الجوارح فصرفها إليه، جعله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه على
إشارته وموضع تكليمه ومحادثته من غير اتحاد ولا حلول، بل قدرة من عزيز عليم،
فكذلك يخرج الذكر من غير تكلف، وتتخرج الأعمال بالطاعة له في كل ما يكون
منه من تصرف وقدر.
وصرف الله - جلَّ جلالُه - قلب"موسى - عليه السلام - بمعنى ذلك في قوله:(وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ"
مُوسَى فَارِغًا) أي: فارغا من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى - عليه السلام -
فكادت أن تبدي به من غير قصد لها منها لذكره ولا تدبير، بل كان تركبها للتبريح به
تعليلاً وصبرًا لما ربط الله جلَّ ذكره على قلبها لتكون من المؤمنين بما أوحى إليها
من قبل في شأن موسى - عليه السلام - وبأنه من المرسلين.
قوله تعالى: (سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ
بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211)
لم يُرِدْ - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه
بذكر السؤال هَاهُنَا مشافهتهم، وإنما أراد سؤال الحال، كقوله جل قوله:(فَاسْأَلْ بِهِ
خَبِيرًا).
ثم قال جلَّ قوله: (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا... .)
فأحاله - جلَّ جلالُه - على سؤال المخلوقات واسترشاد المبتدعات، وكما تقول العرب:"سل"
الدار، سل الأطلال"ونحو هذا: (سَل بَنِي إِسْرَائِيلَ) بما أعلمناك من شأنهم، وما"
قصصنا عليك من أمرهم (كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ) .