وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ عِنْدِي قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ عَلَيْكُمْ فَرَضْنَا إِكْمَالَهَا. وَذَلِكَ أَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ: فَمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ فَعَلَيْهِ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ , ثُمَّ قَالَ: تِلْكَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ عَلَيْكُمْ إِكْمَالُ صَوْمِهَا لِمُتْعَتِكُمْ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ. فَأَخْرَجَ ذَلِكَ مَخْرَجَ الْخَبَرِ , وَمَعْنَاهُ الْأَمْرُ بِهَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}
يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {ذَلِكَ} أَيِ التَّمَتُّعُ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ عَنَى بِقَوْلِهِ: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} بَعْدَ إِجْمَاعِ جَمِيعِهِمْ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْحَرَمِ مَعْنِيُّونَ بِهِ , وَأَنَّهُ لَا مُتْعَةَ لَهُمْ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِذَلِكَ أَهْلَ الْحَرَمِ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ.
وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى بِذَلِكَ أَهْلَ الْحَرَمِ وَمَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمَوَاقِيتِ إِلَى مَكَّةَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ عَنَى بِذَلِكَ أَهْلَ الْحَرَمِ , وَمَنْ قَرُبَ مَنْزِلُهُ مِنْهُ.
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصِّحَّةِ عِنْدَنَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مَنْ هُوَ حَوْلَهُ مِمَّنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مِنَ الْمَسَافَةِ مَا لَا تُقْصَرُ إِلَيْهِ الصَّلَوَاتُ ; لِأَنَّ حَاضِرَ الشَّيْءِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هُوَ الشَّاهِدُ لَهُ بِنَفْسِهِ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُسَمَّى غَائِبًا إِلَّا مَنْ كَانَ مُسَافِرًا شَاخِصًا عَنْ وَطَنِهِ , وَكَانَ الْمُسَافِرُ لَا يَكُونُ مُسَافِرًا إِلَّا بِشُخُوصِهِ عَنْ وَطَنِهِ إِلَى مَا تُقْصَرُ فِي مِثْلِهِ الصَّلَاةُ , وَكَانَ مَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَا يَسْتَحِقُّ اسْمَ غَائِبٍ عَنْ وَطَنِهِ، وَمَنْزِلِهِ , كَانَ كَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى مَا تُقْصَرُ إِلَيْهِ الصَّلَاةُ غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ أَنْ يُقَالَ: هُوَ مِنْ غَيْرِ حَاضِرِيهِ إِذْ كَانَ الْغَائِبُ عَنْهُ هُوَ مَنْ وَصَفْنَا صِفَتَهُ.