عَنِ الرَّبِيعِ: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ} قَالَ: «إِذَا أَمِنَ مِنْ خَوْفِهِ , وَبَرَأَ مِنْ مَرَضِهِ» وَهَذَا الْقَوْلُ أَشْبَهُ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ , لِأَنَّ الْأَمْنَ هُوَ خِلَافُ الْخَوْفِ , لَا خِلَافُ الْمَرَضِ , إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَرَضًا مَخُوفًا مِنْهُ الْهَلَاكُ , فَيُقَالُ: فَإِذَا أَمِنْتُمُ الْهَلَاكَ مِنْ خَوْفِ الْمَرَضِ وَشِدَّتِهِ , وَذَلِكَ مَعْنًى بَعِيدٌ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ مَعْنَاهُ الْخَوْفُ مِنَ الْعَدُوِّ , لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَصْحَابُهُ مِنَ الْعَدُوِّ خَائِفُونَ , فَعَرَّفَهُمُ اللَّهُ بِهَا مَا عَلَيْهِمْ إِذَا أَحْصَرَهُمْ خَوْفُ عَدُوِّهِمْ عَنِ الْحَجِّ , وَمَا الَّذِي عَلَيْهِمْ إِذَا هُمْ أَمِنُوا مِنْ ذَلِكَ , فَزَالَ عَنْهُمْ خَوْفُهُمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}
يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ , فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَزَالَ عَنْكُمْ خَوْفُكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ أَوْ هَلَاكِكُمْ مِنْ مَرَضِكُمْ فَتَمَتَّعْتُمْ بِعُمْرَتِكُمْ إِلَى حَجِّكُمْ , فَعَلَيْكُمْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي صِفَةِ التَّمَتُّعِ الَّذِي عَنَى اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَنْ يُحْصِرَهُ خَوْفُ الْعَدُوِّ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ، أَوْ مَرَضٌ، أَوْ عَائِقٌ مِنَ الْعِلَلِ حَتَّى يَفُوتَهُ الْحَجُّ , فَيَقْدَمُ مَكَّةَ , فَيَخْرُجُ مِنْ إِحْرَامِهِ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ , ثُمَّ يَحِلُّ فَيَسْتَمْتِعُ بِإِحْلَالِهِ مِنْ إِحْرَامِهِ ذَلِكَ إِلَى السَّنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ , ثُمَّ يَحُجُّ، وَيَهْدِي , فَيَكُونُ مُتَمَتِّعًا بِالْإِحْلَالِ مِنْ لَدُنْ يَحِلُّ مِنْ إِحْرَامِهِ الْأَوَّلِ إِلَى إِحْرَامِهِ الثَّانِي مِنَ الْقَابِلِ.