فعَنْ نَاجِيَةَ بْنِ جُنْدُبٍ الْأَسْلَمِيِّ، قَالَ:"أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ صُدَّ عَنِ الْهَدْيِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْعَثْ مَعِي بِالْهَدْيِ فَلْنَنْحَرْهُ بِالْحَرَمِ قَالَ: «كَيْفَ تَصْنَعُ بِهِ» ؟ قُلْتُ: آخُذُ بِهِ أَوْدِيَةً فَلَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ. فَانْطَلَقْتُ بِهِ حَتَّى نَحَرْتُهُ بِالْحَرَمِ"قَالُوا: فَقَدْ بَيَّنَ هَذَا الْخَبَرُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحَرَ هَدَايَاهُ فِي الْحَرَمِ، فَلَا حُجَّةَ لِمُحْتَجٍّ بِنَحْرِهِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ وَتَأْوِيلِهَا عَلَى غَيْرِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ وَصَفْنَا مِنْ قَوْلِ الْفَرِيقَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَهُمْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. وَقَالُوا: إِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ عَنْ حَجَّكُمْ فَمُنِعْتُمْ مِنَ الْمُضِيِّ لِإِحْرَامِهِ لِعَائِقِ مَرَضٍ، أَوْ خَوْفِ عَدُوٍّ، وَأَدَاءِ اللَّازِمِ لَكُمْ وَحَجِّكُمْ حَتَّى فَاتَكُمُ الْوقُوفُ بِعَرَفَةَ، فَإِنَّ عَلَيْكُمْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ لِمَا فَاتَكُمْ مِنْ حَجَّكُمْ مَعَ قَضَاءِ الْحَجِّ الَّذِي فَاتَكُمْ. فَقَالَ أَهْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ: لَيْسَ لِلْمُحْصَرِ فِي الْحَجِّ بِالْمَرَضِ، وَالْعِلَلِ غَيْرُهُ الْإِحْلَالُ إِلَّا بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ إِنْ فَاتَهُ الْحَجُّ. قَالُوا: فَأَمَّا إِنْ أَطَاقَ شُهُودَ الْمَشَاهِدِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُحْصَرٍ.
قَالُوا: وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَلَا إِحْصَارَ فِيهَا، لِأَنَّ وَقْتَهَا مَوْجُودٌ أَبَدًا. قَالُوا: وَالْمُعْتَمِرُ لَا يُحِلُّ إِلَّا بِعَمَلٍ آخَرَ مَا يَلْزَمُهُ فِي إِحْرَامِهِ. قَالُوا: وَلَمْ يَدْخُلَ الْمُعْتَمِرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَإِنَّمَا عَنَى بِهَا الْحَاجَّ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا إِحْصَارَ الْيَوْمَ بِعَدُوٍّ كَمَا لَا إِحْصَارَ بِمَرَضٍ يَجُوزُ لِمَنْ فَاتَهُ أَنْ يُحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ قَبْلَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: حِصَارُ الْعَدُوِّ ثَابِتٌ الْيَوْمَ، وَبَعْدَ الْيَوْمِ، عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَقْوَالِهِمُ الثَّلَاثَةَ الَّتِي حَكَيْنَا عَنْهُمْ.