الْخِطَابُ لِعَامَّةِ الْمُكَلَّفِينَ ، وَالْمُرَادُ لَا يَأْكُلُ بَعْضُكُمْ مَالَ بَعْضٍ ، وَاخْتَارَ لَفْظَ (أَمْوَالَكُمْ) وَهُوَ يَصْدُقُ بِأَكْلِ الْإِنْسَانِ مَالَ نَفْسِهِ لِلْإِشْعَارِ بِوَحْدَةِ الْأُمَّةِ وَتَكَافُلِهَا ، وَلِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ احْتِرَامَ مَالِ غَيْرِكَ وَحِفْظَهُ هُوَ عَيْنُ الِاحْتِرَامِ وَالْحِفْظِ لِمَالِكِ ; لِأَنَّ اسْتِحْلَالَ التَّعَدِّي وَأَخْذِ الْمَالِ بِغَيْرِ حَقٍّ يُعَرِّضُ كُلَّ مَالٍ لِلضَّيَاعِ وَالذَّهَابِ ، فَفِي هَذِهِ الْإِضَافَةِ الْبَلِيغَةِ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ ، وَبَيَانٌ لِحِكْمَةِ الْحُكْمِ ، كَأَنَّهُ قَالَ: لَا يَأْكُلُ بَعْضُكُمْ مَالَ بَعْضٍ بِالْبَاطِلِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ جِنَايَةٌ عَلَى نَفْسِ الْآكِلِ ، مِنْ حَيْثُ هُوَ جِنَايَةٌ عَلَى الْأُمَّةِ الَّتِي هُوَ أَحَدُ أَعْضَائِهَا ; لَا بُدَّ أَنْ يُصِيبَهُ سَهْمٌ مِنْ كُلِّ جِنَايَةٍ تَقَعُ عَلَيْهَا ، فَهُوَ بِاسْتِحْلَالِهِ مَالَ غَيْرِهِ يُجَرِّئُ غَيْرَهُ عَلَى اسْتِحْلَالِ أَكْلِ مَالِهِ عِنْدَ الِاسْتِطَاعَةِ ، فَمَا أَبْلَغَ هَذَا الْإِيجَازَ ! وَمَا أَجْدَرَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ بِوَصْفِ الْإِعْجَازِ ! .
وَفِي الْإِضَافَةِ مَعْنًى آخَرُ قَالَهُ بَعْضُهُمْ ، وَهُوَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يُنْفِقَ مَالَ نَفْسِهِ فِي سَبِيلِ الْحَقِّ ، وَأَلَّا يُضَيِّعَهُ فِي سَبِيلِ الْبَاطِلِ الْمُحَرَّمَةِ ، وَنَظَرَ فِيهِ آخَرٌ بِمَا رَضِيَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فَقَالَ: إِنَّهُ صَحِيحٌ فِي ذَاتِهِ وَلَكِنَّ فَهْمَهُ مِنَ الْآيَةِ بَعِيدٌ لِقَوْلِهِ: (بَيْنَكُمْ) فَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ مَا يَقَعُ بِهِ التَّعَامُلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ .