بِشُرْبِ الْمَاءِ ، فَلَوْ لَمْ يَرِدِ النَّصُّ بِذَلِكَ لِعُلِمَ بِالْعَقْلِ أَنَّ هَذَا مِنْ جِنْسِ الشُّرْبِ فَإِنَّهُمَا لَا يَفْتَرِقَانِ إِلَّا فِي دُخُولِ الْمَاءِ مِنَ الْفَمِ ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ ، بَلْ دُخُولُ الْمَاءِ إِلَى الْفَمِ وَحْدَهُ لَا يُفَطِّرُ ، فَلَيْسَ هُوَ مُفَطِّرًا وَلَا جُزْءًا مِنَ الْمُفَطِّرِ لِعَدَمِ تَأْثِيرِهِ ، بَلْ هُوَ طَرِيقٌ إِلَى الْفِطْرِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْكُحْلُ وَالْحُقْنَةُ وَمُدَاوَاةُ الْجَائِفَةِ وَالْمَأْمُومَةِ ; فَإِنَّ الْكُحْلَ لَا يُغَذِّي أَلْبَتَّةَ ، وَلَا يُدْخِلُ أَحَدٌ كُحْلًا إِلَى جَوْفِهِ لَا مِنْ أَنْفِهِ وَلَا مِنْ فَمِهِ ، وَكَذَلِكَ الْحُقْنَةُ لَا تُغَذِّي بَلْ تَسْتَفْرِغُ مَا فِي الْبَدَنِ ، كَمَا لَوْ شَمَّ شَيْئًا مِنَ الْمُسَهِّلَاتِ ، أَوْ فَزِعَ فَزَعًا أَوْجَبَ اسْتِطْلَاقَ جَوْفِهِ ، وَهِيَ لَا تَصِلُ إِلَى الْمَعِدَةِ .
وَالدَّوَاءُ الَّذِي يَصِلُ إِلَى الْمَعِدَةِ فِي مُدَاوَاةِ الْجَائِفَةِ وَالْمَأْمُومَةِ لَا يُشْبِهُ مَا يَصِلُ إِلَيْهَا مِنْ غِذَائِهِ انْتَهَى . كَلَامُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى .
(وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)
الْكَلَامُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي سَرْدِ الْأَحْكَامِ الْعَمَلِيَّةِ ، وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ أَحْكَامِ الصِّيَامِ - وَفِيهَا حُكْمُ أَكْلِ الْإِنْسَانِ مَالَ نَفْسِهِ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ - مَهَّدَ لِحُكْمِ أَكْلِ مَالِ غَيْرِهِ بِذِكْرِ الْحُدُودِ الْعَامَّةِ وَالنَّهْيِ عَنْ قُرْبِهَا ثُمَّ قَالَ: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)