أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سهل بن سعد قال: كان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما فأنزل الله (من الفجر) فعلموا أنه يعني الليل من النهار.
وفي الصحيحين وغيرهما عن عدي بن حاتم أنه جعل تحت وسادته خيطين أبيض وأسود جعل ينظر إليهما فلا يتبين له الأبيض من الأسود، فغدا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره قال: إن وسادك إذن لعريض، إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل، وفي رواية في البخاري وغيره أنه قال له إنك لعريض العقل، وفي رواية عند ابن جرير وابن أبي حاتم أنه ضحك منه.
قيل"من"الأولي لابتداء الغاية والثانية للبيان، قاله السيوطي، وقال الزمخشري وغيره الثانية للتبعيض أي حال كون الخيط الأبيض بعضاً من الفجر، وفي تجويز المباشرة إلى الصبح دلالة على جواز تأخير الغسل إليه وصحة
صوم من أصبح جنباً.
(ثم أتموا الصيام إلى الليل) أمر وهو للوجوب وهو يتناول كل الصيام عند أبي حنيفة، وقال الشافعية إنما ورد هذا في بيان أحكام صوم الفرض، ويدل على إباحة الفطر من النفل حديث عائشة في مسلم وفيه أهدى لنا حيس، قال أرنيه فلقد أصبحت صائماً فأكل، وقيل للوجوب في صوم الفرض وللندب في صوم النفل، وقيل للوجوب فيهما.
وفي الآية التصريح بأن للصوم غاية هي الليل فعند إقبال الليل من المشرق وإدبار النهار من الغرب يفطر الصائم ويحل له الأكل والشرب وغيرهما.
(ولا تباشروهن) قيل المراش بالمباشرة هنا الجماع، وقيل يشمل التقبيل واللمس إذا كانا بشهوة لا إذا كانا بغير شهوة فهما جائزان كما قاله عطاء والشافعي وابن المنذر وغيرهم، وعلى هذا يحمل ما حكاه ابن عبد البر من الإجماع على أن المعتكف لا يباشر ولا يقبل فتكون هذه الحكاية للإجماع مقيدة بأن يكون بشهوة.