وَلَوْ خَرَجَ مِنْ الِاعْتِكَافِ مِنْ مَسْجِدٍ إلَى مَسْجِدٍ لَجَازَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ إجْمَاعًا ، فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ إلَى ذَلِكَ الْمَسْجِدِ أَوْ إلَى سِوَاهُ ؟.
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: وَهِيَ بَدِيعَةٌ: فَإِنْ قِيلَ: قُلْتُمْ فِي قَوْله تَعَالَى: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ} : إنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْجِمَاعُ ، وَقُلْتُمْ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ} : إنَّهُ اللَّمْسُ وَالْقُبْلَةُ ، فَكَيْفَ هَذَا التَّنَاقُضُ ؟ قُلْنَا: كَذَلِكَ نَقُولُ فِي قَوْله تَعَالَى: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ} : إنَّهَا الْمُبَاشَرَةُ بِأَسْرِهَا صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا ؛ وَلَوْلَا أَنَّ السُّنَّةَ قَضَتْ عَلَى عُمُومِهَا مَا رَوَتْ عَائِشَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ فِي جَوَازِ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَوْلِهِ ، وَبِإِذْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ فِي الْقُبْلَةِ وَهُوَ صَائِمٌ فَخَصَصْنَاهَا.
فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ} فَقَدْ بَقِيَتْ عَلَى عُمُومِهَا وَعَضَّدَتْهَا أَدِلَّةٌ سِوَاهَا ؛ وَهِيَ أَنَّ الِاعْتِكَافَ مَبْنِيٌّ عَلَى رُكْنَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَرْكُ الْأَعْمَالِ الْمُبَاحَةِ بِإِجْمَاعٍ.
الثَّانِي: تَرْكُ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ سِوَاهُ مِمَّا يَقْطَعُهُ وَيَخْرُجُ بِهِ عَنْ بَابِهِ ، فَإِذَا كَانَتْ الْعِبَادَاتُ تُؤَثِّرُ فِيهِ ، وَالْمُبَاحَاتُ لَا تَجُوزُ مَعَهُ فَالشَّهَوَاتُ أَحْرَى أَنْ تُمْنَعَ فِيهِ.