وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ عَدِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: {إنَّك لَعَرِيضُ الْقَفَا} ، وَضَحِكَ ؛ وَلَا يَضْحَكُ إلَّا عَلَى جَائِزٍ ، وَلَيْسَ فِيمَا ذُكِرَ لَهُ إلَّا تَعْرِيضُهُ لِلْغَبَاوَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ إذَا جَوَّزْنَا لَهُ الْوَطْءَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ طُلُوعِ الْفَجْرِ عَلَيْهِ ، وَهُوَ جُنُبٌ ؛ وَذَلِكَ جَائِزٌ إجْمَاعًا ؛ وَقَدْ كَانَ وَقَعَ فِيهِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ كَلَامٌ ، ثُمَّ اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى أَنَّهُ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَإِنَّ صَوْمَهُ صَحِيحٌ ، وَبِهَذَا احْتَجَّ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَيْهِ ، وَمِنْ هَاهُنَا أَخَذَهُ بِاسْتِنْبَاطِهِ ، وَغَوْصِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} : الِاعْتِكَافُ فِي اللُّغَةِ هُوَ اللُّبْثُ ، وَهُوَ غَيْرُ مُقَدَّرٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَقَلُّهُ لَحْظَةٌ ، وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ مُقَدَّرٌ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، لِأَنَّ الصَّوْمَ عِنْدَهُمَا مِنْ شَرْطِهِ.
قَالَ عُلَمَاؤُنَا: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَاطَبَ الصَّائِمِينَ ، وَهَذَا لَا يَلْزَمُ فِي الْوَجْهَيْنِ: أَمَّا اشْتِرَاطُ الصَّوْمِ فِيهِ بِخِطَابِهِ تَعَالَى لِمَنْ صَامَ فَلَا يَلْزَمُ بِظَاهِرِهِ وَلَا بَاطِنِهِ ؛ لِأَنَّهَا حَالٌ وَاقِعَةٌ لَا مُشْتَرَطَةٌ.