يا بنيّ، الزموا الحزم على أيّ الحالين وقع الأمر والزموا الطاعة والجماعة وتواصلوا وتوازروا وتعاطفوا، فإنّ ذلك يثبّت المودّة، وتحابّوا وخذوا بما أوصيكم به بالجدّ والقوّة، والقيام به والتعهّد له، وترك الغفلة عنه، تظفروا بدنياكم ما كنتم فيها، وآخرتكم إذا صرتم إليها، ولا قوّة إلا بالله.
يا بنيّ، وليكن أوّل ما تبدؤن به أنفسكم إذا أصبحتم تعلّم القرآن والسنن، وأداء الفرائض وتأدّبوا بأدب الصالحين من قبلكم من سلفكم ولا تقاعدوا أهل الدّعارة والرّيبة، ولا تخالطوهم، ولا يطمعنّ في ذلك منكم.
وإيّاكم والخفّة في مجالسكم وكثرة الكلام، فإنّه لا يسلم منه صاحبه. وأدّوا حقّ الله
تعالى عليكم فإنّى قد أبلغت إليكم في وصيّتى، واتّخذت الله حجة عليكم.
وتوفّى بمرو الرّوذ بعد ولاية خراسان أربع سنين. وفيه يقول نهار بن توسعة [التميمى] :
ألا ذهب الغزو المقرّب للغنى ... ومات النّدى والجود بعد المهلّب
أقاما بمرو الرّوذ رهن ترابه ... وقد غيّبا عن كلّ شرق ومغرب
قال الشاعر من وصيّة عبد الملك بن مروان لبنيه:
انفوا الضّغائن والتخاذل عنكم ... عند البعيد، وفي الحضور الشهد
بصلاح ذات البين طول بقائكم ... إن مدّ في عمري وإن لم يمدد
فلمثل ريب الدّهر ألفة بينكم ... بتواصل وتراحم وتودّد
وانفوا الضغائن والتخاذل عنكم ... بتكرّم وتوسّع وتغمّد
حتّى تلين جلودكم وقلوبكم ... لمسوّد منكم وغير مسوّد
إنّ القداح إذا اجتمعن فرامها ... بالكسر ذو بطش شديد أيّد:
عزّت فلم تكسر وإن هي بدّدت ... فالوهن والتكسير للمتبدّد
وقال آخر:
وادن ليدنو منك من كان نائيا ... وشب منك بعض اللّين والبذل في العدم
تنل بارتجاء القوم والخوف طاعة ... فتوصف في التدبير بالحزم والعزم
وقال آخر:
نظيرك لا تظهر عليه تطاولا ... فتملأ ضغنا صدره بالتّطاول
انتهى انتهى {لباب الآداب، لأسامة بن منقذ} ...