وَقَدْ رَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي عَازِبٍ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ} ، وَهَذَا الْخَبَرُ قَدْ حَوَى مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بَيَانُ مُرَادِ الْآيَةِ فِي ذِكْرِ الْقِصَاصِ وَالْمِثْلِ وَالْآخَرُ: أَنَّهُ ابْتِدَاءُ عُمُومٍ يُحْتَجُّ بِهِ فِي نَفْيِ الْقَوَدِ بِغَيْرِهِ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا رَوَى يَحْيَى بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {لَا يُسْتَقَادُ مِنْ الْجِرَاحِ حَتَّى تَبْرَأَ} ، وَهَذَا
يَنْفِي قَوْلَ الْمُخَالِفِ لَنَا ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يُفْعَلَ بِالْجَانِي كَمَا فَعَلَ لَمْ يَكُنْ لِاسْتِثْنَائِهِ وَجْهٌ ، فَلَمَّا ثَبَتَ الِاسْتِثْنَاءُ دَلَّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْجِرَاحَةِ مُعْتَبَرٌ بِمَا يَئُولُ إلَيْهِ حَالُهَا.
فَإِنْ قِيلَ: يَحْيَى بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ ، قِيلَ لَهُ: هَذَا قَوْلُ جُهَّالٍ لَا يُلْتَفَتُ إلَى جَرْحِهِمْ ، وَلَا تَعْدِيلِهِمْ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ طَرِيقَةَ الْفُقَهَاءِ فِي قَبُولِ الْأَخْبَارِ ، وَعَلَى أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيَّ قَدْ ذَكَر عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: يَحْيَى بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ أَحَبُّ إلَيَّ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ.