فَاكْتَفَى بِالْمَحْذُوفِ عَنْ ذِكْرِهِ لِعِلْمِ الْمُخَاطَبِينَ عِنْدَ ذِكْرِ الْمَالِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلْزَامُهُ إيَّاهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ.
كَذَلِكَ قَوْلُهُ: {أَوْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ} .
وَقَوْلُهُ: {أَوْ يُودَى} وَكَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ لِمَنْ لَهُ دَيْنٌ عَلَى غَيْرِهِ: إنْ شِئْتَ فَخُذْ دَيْنَك دَرَاهِمَ ، وَإِنْ شِئْتَ دَنَانِيرَ.
وَكَمَا {قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِبِلَالٍ حِينَ أَتَاهُ بِتَمْرٍ: أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا ؟ فَقَالَ: لَا ، وَلَكِنَّا نَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْهُ بِالصَّاعَيْنِ ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ ، فَقَالَ: لَا تَفْعَلُوا ، وَلَكِنْ بِعْ تَمْرَكَ بِعَرْضٍ ثُمَّ خُذْ بِالْعَرْضِ هَذَا} ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُرَدْ أَنْ يَأْخُذَ التَّمْرَ بِالْعَرْضِ بِغَيْرِ رِضَى الْآخَرِ ، وَيَكُونُ ذِكْرُهُ الدِّيَةَ إبَانَةً عَمَّا نَسَخَهُ اللَّهُ عَمَّا كَانَ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ مِنْ امْتِنَاعِ أَخْذِ الدِّيَةِ بِرِضَى الْقَاتِلِ ، وَبِغَيْرِ رِضَاهُ تَخْفِيفًا عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ"أَنَّ الْقِصَاصَ كَانَ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَخْذُ الدِّيَةِ فَخَفَّفَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ".
وَيَدُلُّ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ أَخْذُ الدِّيَةِ بِرِضَى الْقَاتِلِ أَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ قَدْ رَوَى حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَالَ فِيهِ: {مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إمَّا أَنْ يَقْتُلَ ، وَإِمَّا أَنْ يُفَادِيَ} .