وَعَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ عَبْدُهُمْ ، لَمْ يُوجِبْ تَخْصِيصَ حُكْمِهِ فِي مُكَافَأَةِ دَمِهِ لِدَمِ الْحُرِّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ آخَرُ اسْتَأْنَفَ لَهُ ذِكْرًا ، وَخَصَّ بِهِ الْعَبْدَ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْعَبْدِ أَوْلَى بِالسَّعْيِ بِذِمَّتِهِمْ.
فَإِذَا كَانَ تَخْصِيصُ الْعَبْدِ بِالذِّكْرِ فِي هَذَا الْحُكْمِ لَمْ يُوجِبْ أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِهِ دُونَ الْآخَرِ ، فَلَأَنْ لَا يُوجِبَ تَخْصِيصَ حُكْمِ
الْقِصَاصِ أَوْلَى.
فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: {الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ} يَقْتَضِي التَّمَاثُلَ فِي الدِّمَاءِ ، وَلَيْسَ الْعَبْدُ مِثْلًا لِلْحُرِّ.
قِيلَ لَهُ فَقَدْ جَعَلَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِثْلًا لَهُ فِي الدَّمِ ؛ إذْ عَلَّقَ حُكْمَ التَّكَافُؤِ مِنْهُمْ بِالْإِسْلَامِ ، وَمَنْ قَالَ لَيْسَ بِمُكَافِئٍ لَهُ فَهُوَ خَارِجٌ عَلَى حُكْمِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُخَالِفٌ بِغَيْرِ دَلَالَةٍ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لَا يَحِلُّ دَمُ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَّا فِي إحْدَى ثَلَاثٍ: التَّارِكُ لِلْإِسْلَامِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي ، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ ، وَأَوْجَبَ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ بِالنَّفْسِ} .