(واتّباع) و (أداء) مصدران وقعا عوضاً عن فعلين والتقدير: فليتبع اتباعاً وليؤد أداء فعدل عن أن ينصب على المفعولية المطلقة إلى الرفع لإفادة معنى الثبات والتحقيق الحاصل بالجملة الاسمية كما عدل إلى الرفع فِي قوله تعالى: {قال سلام} [هود: 69] بعد قوله: {قالوا سلاماً} [هود: 69] ، وقد تقدم تطور المصدر الذي أصله مفعول مطلق إلى مصيره مرفوعاً عند قوله تعالى: {الحمد لله} [الفاتحة: 2] ، فنظم الكلام: فاتباعٌ حاصلٌ ممن عفي له من أخيه شيء وأداءٌ حاصل من أخيه إليه، وفي هذا تحريض لمن عفي له على أن يقبل ما عفي له وتحريض لأخيه على أداء ما بذله بإحسان. والاتباع مستعمل فِي القبول والرضا، أي فليرض بما عفي له كقول النبي صلى الله عليه وسلم"وإذا أتبع أحدكم على مَلِيء فليتبع".
والضمير المقدر فِي (اتباع) عائد إلى {من عفي له} والضمير المقدر فِي أدَاء عائد إلى (أخيه) ، والمعنى: فليرضى بما بذل له من الصلح المتيسر، وليؤد باذلُ الصلح ما بذله دون مماطلة ولا نقص، والضمير المجرور باللام والضمير المجرور بإلى عائداننِ على {فمن عفى له} .
ومقصد الآية الترغيب فِي الرضا بأخذ العوض عن دم القتيل بدلاً من القصاص لتغيير ما كان أهل الجاهلية يتَعيرون به من أخذ الصلح فِي قتل العمد ويعدونه بيعاً لدم مولاهم كما قال مُرَّةُ الفَقْعَسِي:
فلا تَأْخذوا عَقْلاً من القَوْم إِنَّنِي ... أَرى العَارَ يبقَى والمَعَاقِلَ تَذْهَبُ
وقال غيره يَذْكر قوماً لم يَقْبَلوا منه صلحاً عن قتيل:
فلَوْ أَنَّ حيّاً يقبَلُ المالَ فِدْيَةً ... لسُقْنَا لهم سَبْباً من المال مُفْعَمَا
ولكِنْ أَبَى قَوْمٌ أُصيبَ أخُوهُمُ ... رِضَا العَار فاختاروا على اللَّبَن الدَّمَا
وهذا كله فِي العفو على قتل العمد وأما قتل الخطأ فإن شأنه الدية عن عاقلة القاتل وسيأتي فِي سورة النساء.
وإطلاقُ وصف الأخ على المماثل فِي دين الإسلام تأسيسُ أصل جاء به القرآن جعل به التوافق فِي العقيدة كالتوافق فِي نسب الإِخوة، وحَقّاً فإن التوافق فِي الدين آصرة نفسانية والتوافق فِي النسب آصرة جسدية والروح أشرف من الجسد. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 141}