الخامس: أن المصدر وقع موقع اسم الفاعل، نحو: رجل عدلٌ، أي: عادل، كما قد يقع اسم الفاعل موقعه، نحو: أقائماً، وقد قعد الناس؛ فِي قولٍ، هذا رأي الكوفيين، والأولى فيه ادِّعاء أنه محذوفٌ من فاعلٍ، وأن أصله: بارٌّ، فجعل"برّاً"، وأصله كـ"سِرٍّ"، و"رَبٌّ"أصله"رابٌّ"، وقد تقدم.
وجعل الفراء"مَنْ آمَنَ"واقعاً موقع الإيمان، فأوقع اسم الشخص على المعنى كعكسه؛ كأنه قال:"وَلَكِنَّ البِرَّ الإيمانُ باللَّهِ"قال: والعَرَبُ تجعل الاسم خبراً للفعل، وأنشد فِي ذلك: [الطويل]
914 -لَعَمْرُكَ مَا الفِتْيَانُ أَنْ تَنْبُتَ اللِّحَى ... وَلَكِنَّمَا الفِتْيَانُ كُلُّ فَتًى نَدِي
جعل نبات اللحية خبراً للفتيان، والمعنى: لعمرك ما الفتوَّة أن تنبت اللِّحى.
وقرأ نافعٌ، وابن عامر:"وَلَكِن البِرُّ"هنا وفيما بعد بتخفيف"لَكِنْ"وبرفع"البِرُّ"، والباقون بالتَّشديد، والنَّصب، وهما واضحتان ممَّا فِي قوله: {ولكن الشياطين كَفَرُواْ} [البقرة: 102] .
وقرئ:"وَلِكنَّ البَارَّ"بالألف، وهي تقوِّي أنَّ"البِرَّ"بالكسر المراد به اسم الفاعل، لا المصدر.
قال أبو عُبَيْدَةَ:"البِرُ"هاهنا بمعنى البَارِّ، كقوله: {والعاقبة للتقوى} [طه: 132] أي: للمتَّقين، ومنه قوله تعالى: {إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً} [الملك: 30] أي: غائراً، وقالت الخنساء: [البسيط]
915 -وَإِنَّمَا هِيَ إقْبَالٌ وَإِدْبَارُ ...
أي: مقبلة ومدبرة والعمل لكل خير هو بر، وقيل: البر: كل عمل خير يفضي بصاحبه إلى الجنة، قال تعالى: {إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ} [الإنسان: 13] .
ووحَّد الكتاب لفظاً، والمراد به الجمع؛ وحسَّن ذلك كونه مصدراً فِي الأصل، أو أراد به الجنس، أو أراد به القرآن، فإنَّ من آمن به، فقد آمن بكل الكتب، فإنه شاهدٌ لها بالصِّحَّة.