معنى الإنساء:
(اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ) ، الإنساء على معنى
التزيين منه كأنه مقيض لهما جميعًا، ألا تراه يقول في سورة الحشر: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ) ، فأخبر بالنسيان عن أنفسهم
مرة، وأخبر ثانية عن الشيطان بأنه أنساهم، وثالثة عن نفسه بأنه
أُنسيَهم، فدل أن جميع ما ذكره عن الشيطان مثل قوله: (فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ) ، هو تابع لإنساء الله إياهم ذلك، إذ هو الخالق للشيطان المقيِّض له المسلط هذا الشيطان عليهم، ولا يجوز أن يكون الله - جل جلاله - بما أخبر عن نفسه تابعًا له، ولا لهم.
وقد لخصنا ذلك في فصل التزيين، وفصل المشيئة - قبل هذا -
في سورة الأنعام، وغيرها.
قوله: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) ، حجة على المعتزلة والقدرية في الكتاب الذي لا يؤمنون به - أصلاً - ولا يقرون به بتةً.
وفيه دليل على إجازة الرجوع من لفظ الخبر إلى لفظ المواجهة
لقوله: (لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) ، ولم يقل: ليغلبن هو ورسله.
قوله: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) ، إلى آخر الآية، زجر إلى التودد إلى من كان على غير دين الإسلام، والتحبب إليه، والموالاة له، إذ في ذلك ذهاب
العداوة وانغراس المحبة لمن يعادي الله - جل جلاله - ألا ترى أن
اللَّه - جل جلاله - سماهم أعداءه، حيث يقول: (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ(19) ، ومثل - هذا - قوله: (لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) ، إلى آخر الآية،
ويقال: إنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، حيث كاتب كفار مكة
بمسير النبي، صلى الله عليه وسلم، إليهم.
قوله: (أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ) ، حجة على المعتزلة والقدرية في الكتاب. انتهى انتهى {النكت / للقصاب حـ 4 صـ 245 - 256}