قوله تعالى {وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَائِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَآءُ} أي الذين شاهدوا الله بالله بنعت المعرفة والمحبة وتابعوا رسوله بالصحبة والمعرفة بشرفه وفضله والانقياد بين يدي أمره ونهيه أولئك هم الصديقون لأنهم معادن الإخلاص واليقين وتصديق الله في قوله بعد أن شاهدوه مشاهده الصديقية التي لا اضطراب فيها من جهته معارضة النفس والشيطان وهم شهداء الله تعالى مقتولون بسيوف محبته مطرحون في حجر وصلته يحيون بجماله يشهدون على وجودهم بفنائه في الله وبفناء الكون في عظمة الله وهم قوم يستشرفون على هموم الخلائق بنور الله يشهدون لهم وعليهم بصدق الفراسة لأنهم أمناء الله خصهم الله بالصديقية والشهادة والولاية والخلافة قال أبو على الجوزجانى الصديقون حزب الله خواصهم أهل المعرفة واوساطهم العقلاء وقال قلوب الأبرار معلقة بالملكوت مقبلين ومدبرين وقلوب الصديقين معلقة بالرب مقبلين بالله ولله.
قوله تعالى {سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} دعا المريدين إلى مغفرته بنعت الأسرار ودعا المشتاقين إلى جماله بنعت الاشتياق والاشواق وقد دخل الكل في مظنة الخطاب لأن الكل قد وقعوا في بحار الذنوب حين لم يعرفوه حق معرفته ولم يعبدوه حق عبادته دعاهم جميعا إلى التطهير في بحر رحمته حتى صاروا متطهرين من غرورهم بانهم عرفوه فإذا وصلوا عرفوا انهم لم يعرفوه فياخذ الله بأيديهم بعد ذلك ويكرمهم بكشف جنان قربه وفراديس مشاهدته ولولا رحمته وغفرانه لهلكوا جميعا في أول بوادى سطوة عزته لكن اغفلهم عنه فيه حتى يبقوا ولو رفع عنهم غطاء الغفلة والجهل به في مشاهدته لهلكوا جميعا حسرة من فقدان الحق والحقيقة قال الحسين في هذه الآية لما باشرت هذه المخاطبة العقول نهضت مستحصنة للجوارح بحسن التوحيد لاقامة مائة يحطون عند من استجابوا لدعوته فظنوا لإشارته واقاموا تحت العلم بقربه وقرت عيونهم بما اورد على قلوبهم بالسر وبالخلوة جلاسا اناسا اكياسا لا يرهبون في الطريق إليه غيره ولا يتوسلون إليه الأبد ولا يسالونه شيئا غير التمتع بخدمته وحسن المعرفة على موافقته.