9 -ثم قطع عليهم الحجة، وأزال معذرتهم. فقال: {هُوَ} سبحانه وتعالى الإله {الَّذِي يُنَزِّلُ} بواسطة جبرئيل عليه السلام، وقرئ في السبعة {يُنَزِّلُ} مضارعًا. فبعض ثقل، وبعض خفف. وقرأ الحسن بالوجهين. وقرأ زيد بن علي، والأعمش {أنزل} ماضيًا. {عَلَى عَبْدِهِ} محمد - صلى الله عليه وسلم - . {آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} ؛ أي: واضحات من الأمر والنهي، والحلال، والحرام وهي الآيات القرآنية. وقيل: المعجزات، والقرآن أعظمها. {لِيُخْرِجَكُمْ} الله سبحانه أيها المؤمنون بتلك الآيات {مِنَ الظُّلُمَاتِ} ؛ أي: من ظلمات الكفر، والشرك، والشك، والجهل، والمخالفة {إِلَى النُّورِ} ؛ أي: إلى نور الإيمان، والتوحيد، واليقين، والعلم، والموافقة. أو ليخرجكم عبده محمد - صلى الله عليه وسلم - بتلك الآيات أو بالدعوة. {وَإِنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى {بِكُمْ} أيها المؤمنون {لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} ؛ أي: لكثير الرأفة والرحمة بليغهما، حيث هداكم إلى سعادة الدارين بإنزال كتبه، وإرسال رسله لهداية عباده بعد نصب الحجج العقلية، فلا رأفة، ولا رحمة أبلغ من هذا. والرأفة: أشد الرحمة.
والمعنى: أي هو الذي ينزل على رسوله دلائل واضحات، ليخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ومن الضلالة إلى الهدى، ولرأفته بكم، ورحمته لكم مكن لكم من النظر في الأنفس، والآفاق لتهتدوا إلى معرفته على أتم وجه، وأهون سبيل.
10 -وبعد أن وبخهم على ترك الإيمان، وبخهم على ترك الإنفاق، وأبان أنه لا معذرة لهم في ذلك. نقال: {وَمَا لَكُمْ} {ما} مبتدأ، {لَكُمْ} خبره. والاستفهام للتقريع والتوبيخ؛ أي: وأي عذر لكم في {أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ؟ وأي شيء يمنعكم من أن تنفقوا فيما هو قربة إلى الله ما هو له في الحقيقة، وإنما أنتم خلفاؤه في صرفه إلى ما عينه من المصارف. فقوله: {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} مستعار لما يكون قربة إليه، وقال بعضهم: معناه: لأجل الله، والأصل في"أن لا تنفقوا"كما أشرنا إليه في الحل.