وقيل: إنَّهُ يشير إلى نبينا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - والمعنى: هذا النبي منذرٌ لكم، من جنس الأنبياء المنذرين قبله، فإن أطعتموه نجوتم من عذاب الله، وإن خالفتموه لَحِق بكم ما حلّ بمكذبي الرسل السابقين.
وهذان الرأيان من أفضل ما قيل في معنى الآية:
57، 58 - {أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (57) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ} :
أي: قربت الساعة الموصوفة بالقرب في عدة مواضع من القرآن الكريم، وقيل: لفظ الآزفة: علمٌ بالغلبة على الساعة.
وقد أخبر الله - تعالى - أن هذه الآزفة ليس لها من غير الله نفس كاشفة ومبينة لوقت وقوعها، لأنها من أخفى المغيبات، فالكشف هنا بمعنى التبيين، وهذا هو رأي الطبري والزجاج، وهذا التفسير موافق في المعنى لقوله - تعالى: {لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ} هو من أحسن ما قيل في معنى الآية.
والتاء في (كاشفة) لتأنيث الموصوف المُقدَّر، وهو كلمة (نفس) التي ذكرناها في معنى الآية، وقيل: إن كلمة (كاشفة) مصدر من المصادر السماعية كالعافية وخائنة الأعين، أي: ليس لها من دون الله كشف وتبيين.
59 -62 - {أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (60) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (61) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} :
الاستفهام في لفظ {أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ} للتوبيخ، والحديث: ما يتحدث به، والمراد به هنا: القرآن، ولفظ {سَامِدُونَ} معناها: لاهون - كما قال ابن عباس - واستشهد عليه بشعر هزيلة بنت بكر وهي تبكي قوم عاد:
ليت عادًا قبلوا الحق ... ولم يبدوا جحودًا
قيل قم فانظر إليهم ... ثم دَعْ عنك السمودا
وقال الضحاك: سامدون: شامخون متكبرون.
وفي الصحاح: سَمَد سُمُودًا: رفع رأسه تكبرًا، وكل رافع رأسه فهو سامد، وقيل غير ذلك.
ومعنى هذه الآيات: أفمن هذا القرآن الذي حدثتكم به تعجبون إنكارًا، وتضحكون استهزاء وأنتم لاهون عنه، غير مقبلين عليه، فاسجدوا لله واعبدوه، ولا تسجدُوا لأصنامكم ومعبوداتكم. انتهى انتهى {التفسير الوسيط، لمجموعة من علماء الأزهر} ...