وأمَّا أهل التوحيد: فقد يكون منهم قومٌ في النار. ولكن لا يخلدون فيها. ودليلُ الخطابِ يقتضي أنه يُفَتَّرُ عنهم العذاب. ورد في الخبر الصحيح: أنه لا يُميتهم الحقُّ - سبحانه - إماتةً إلى أن يُخْرِجَهم من النار - والميت لا يحسُّ ولا يتألم.
{لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} .
الإبلاس من الخيبة ويدل ذلك على أن المؤمنين لا يأس لهم فيها ، وإن كانوا في بلائهم فهم على وصف رجائهم ؛ يعدون أيامهم إلى أن ينتهي حسابهم.
ولقد قال الشيوخ: إنَّ حالَ المؤمن في النار - من وجهٍ - أرْوَحُ لقلبه من حاله في الدنيا ؛ فاليومَ - خوفُ الهلاك: ، وغداً - يقينُ النجاة ، وأنشدوا:
عيبُ السلامةِ أنَّ صاحبَها... متوقِّعٌ لقواصم الظَّهْرِ
وفضيلةُ البلوى تَرَقُّبُ أهلِها... - عقبَ الرجاء - مودةَ الدهر
قوله جل ذكره: {وَمَا ظَلَمْنَاهُم وَلكِن كَانُواْ هُمُ الظَّالِمِينَ} .
هذا الخطاب يُشْبِهُ كلمة العُذْر - وإن جلّ قَدْرُه - سبحانه - عن ذلك.
وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77)
لو قالوا:"يا مَلِك"لعلَّ أقوالهم كانت أقربَ إلى الإجابة ، ولكنَّ الأجنبيةَ حالت بينهم وبين ذلك ، فكان الجوابُ عليهم:
{إِنَّكُم مَّاكِثُونَ} فيها... نُصِحْتم فلم تنتصحوا ، ولم تقبلوا القولَ في حينه ، وكان أكثرهم للحق كارهين.
قوله جلّ ذكره: {أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ} .
بل أمورُهم مُنْتَقَضةٌ عليهم ؛ فلا يتمشّى لهم شيء مما دبَّروه ، ولا يرتفع لهم أمرٌ على نحو ما قدَّروه - وهذه الحالُ أوضحُ دليل على إثبات الصانع.
قوله جل ذكْره: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} .