ويحسِّن هذا الالتفات أنه حكاية لشيء في نفس الرّسول فجعل الرسول بمنزلة الغائب لإظهار أن الله لا يهمل نداءه وشكواه على حدّ قوله تعالى: {عبس وتولّى} [عبس: 1] .
وإضافة القيل إلى ضمير الرسول مشعرة بأنه تكرر منه وعرف به عند ربّه ، أي عُرف بهذا وبما في معناه من نحو {يا ربّ إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً وقوله: حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه مَتَى نصر الله} [البقرة: 214] .
وقرأ الجمهور {وقيلَه} بنصب اللام على اعتبار أنه مصدر نُصب على أنه مفعول مطلق بَدل من فعله.
والتقدير: وقال الرسول قيلَه ، والجملة معطوفة على جملة {ولئن سألتهم من خلقهم} [الزخرف: 87] أو على جملة {فأنى يؤفكون} [الزخرف: 87] ، أي وقال الرسول حينئذٍ يا ربّ الخ.
ونظيره قول كعب بن زهير:
تمشي الوشاة جنابيْها وقيلَهم
إنك يا بنَ أبي سُلْمى لمقتول...
على رواية (قيلَهم) ونصبه ، أي ويقولون: قيلهم وهي رواية الأصمعي.
ويجوز أن يكون النصب على المفعول به لقوله: {لا نَسْمَع} [الزخرف: 80] ، والتقدير: بلى ونعلم قِيلَه وهذا اختيار الفراء والأخفش ، وقال المبرد والزجاج: هو منصوب بفعل مقدر دل عليه قوله: {وعنِده علم الساعة} [الزخرف: 85] أي ويعلم قيله.
وقرأ عاصم وحمزة بجرّ لام (قيلِه) ويجوز في جرّه وجهان:
أحدهما: أن يكون عطفاً على {الساعة في قوله: وعنده علم الساعةِ} [الزخرف: 85] أي وعلمُ قيللِ الرسول: يا ربّ ، وهو على هذا وعد للرسول بالنصر وتهديد لهم بالانتقام.
وثانيهما: أنْ تكون الواو للقسم ويكون جواب القسم جملة {إن هؤلاء قوم لا يؤمنون} على أن الله أقسم بقول الرسول: يا ربّ ، تعظيماً للرسول ولقيله الذي هو تفويض للرب وثقة به.
ومقول {قيله} هُو {يا رب} فقط ، أي أُقسم بندَاء الرسول ربَّه نداءَ مضطر.