فإن قيل: إن كثيراً ممن لا تحقيق عندهم يزعمون أن عيسى قد توفي ، ويعتقدون مثل ما يعتقده ، ضلال اليهود والنصارى ، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: {إِذْ قَالَ الله يا عيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 55] وقوله {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} [المائدة: 117] .
فالجواب أنه لا دلالة في إحدى الآيتين ألبتة على أن عيسى قد توفي فعلاً.
أما قوله تعالى: {مُتَوَفِّيكَ} [آل عمران: 55] فإن دلالته المزعومة على ذلك منفية من أربعة أوجه:
الأول: أن قوله: {مُتَوَفِّيكَ} حقيقة لغوية في أخذ الشيء كاملاً غير ناقص ، والعرب تقول: توفي فلان دينه يتوفاه فهو متوف له إذا قبضه وحازه إليه كاملاً من غير نقص.
فمعنى: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} [آل عمران: 55] في الوضع اللغوي أي حائزك إلي ، كاملاً بروحك وجسمك.
ولكن الحقيقة العرفية خصصت التوفي المذكور بقبض الروح دون الجسم ونحو هذا مما دار بين الحقيقة اللغوية والحقيقة العرفية فيه لعلماء الأصول ثلاثة مذاهب.
الأول: هو تقديم الحقيقة العرفية ، وتخصيص عموم الحقيقة اللغوية بها.
وهذا هو المقرر في أصول الشافعي وأحمد ، وهو المقرر في أصول مالك إلا أنهم في الفروع ربما لم يعتمدوه في بعض المسائل.
وإلى تقديم الحقيقة العرفية ، على الحقيقة اللغوية أشار في مراقي السعودي بقوله:
واللفظ محمول على الشرعي... إن لم يكن فمطلق العرفي
فاللغوي على الجلي ولم يجب... بحث عن المجاز في الذي انتخب
المذهب الثاني: هو تقديم الحقيقة اللغوية على العرفية بناء على أن العرفية وإن ترجحت بعرف الاستعمال ، فإن اللغوية مترجحة بأصل الوضع.
وهذا القول مذهب أبي حنيفة رحمه الله.