وقوله بالدليل القاطع يعني السنة المتواترة ، لأنها قطعية وهو صادق في ذلك.
وقال ابن كثير ، في تفسير آية الزخرف هذه ما نصه:
وقد تواترت الأحاديث ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ،"أنه أخبر بنزول عيسى عليه السلام قبل يوم القيامة إمَاماً عَادِلاً وَحَكماً مُقْسِطاً"ا ه منه.
وهو صادق في تواتر الأحاديث بذلك.
وأما القول بأن الضمير في قوله قبل موته راجع إلى الكتاب فهو خلاف ظاهر القرآن ، ولم يقم عليه دليل من كتاب ولا سنة.
الوجه الرابع: هو أن القول الأول الصحيح واضح لا إشكال فيه ، ولا يحتاج إلى تأويل ولا تخصيص بخلاف القول الآخر ، فهو مشكل لا يكاد يصدق ، إلا مع تخصيص ، والتأويلات التي يروونها فيه عن ابن عباس ، وغيره ، ظاهرة البعد والسقوط لأنه على القول بأن الضمير في قوله قبل موته راجع إلى عيسى فلا إشكال ولا خفاء ، ولا حاجة إلى تأويل ، ولا إلى تخصيص.
وأما على القول بأنه راجع إلى الكتابي فإنه مشكل جداً بالنسبة لكل من فاجأه الموت من أهل الكتاب ، كالذي يسقط من عال إلى أسفل ، والذي يقطع رأسه بالسيف وهو غافل والذي يموت في نومه ونحو ذلك ، فلا يصدق هذا العموم المذكور في الآية على هذا النوع ، من أهل الكتاب ، إلا إذا ادعى إخراجهم منه بمخصص.
ولا سبيل إلى تخصيص عمومات القرآن ، إلا بدليل يجب الرجوع إليه من المخصصات المتصلة أو المنفصلة.
وما يذكر عن ابن عباس من أنه سئل عن الذي يقطع رأسه من أهل الكتاب فقال إن رأسه يتكلم ، بالإيمان بعيسى ، وأن الذي يهوي من عال إلى أسفل يؤمن به وهو يهوي ، لا يخفى بعده وسقوطه ، وأنه لا دليل ألبتة عليه كما ترى.
وبهذا كله تعلم ، أن الضمير في قوله {قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء: 159] ، راجع إلى عيسى ، وأن تلك الآية من سورة النساء تبين قوله تعالى هنا: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ} [الزخرف: 61] كما ذكرنا.