ولا شك أن كفار قريش متيقنون ، في جميع المدة التي أقامها صلى الله عليه وسلم ، في مكة قبل الهجرة بعد الرسالة ، وهي ثلاث عشرة سنة ، أنه لا يدعو إلا إلى عبادة الله ، وحده لا شريك له.
فادعاؤهم أنه يريد أن يعبدوه ، افتراء منهم ، وهم يعلمون أنهم مفترون ، في ذلك.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ} ؟
التحقيق أن الضمير في قوله {هو} راجع إلى عيسى ، لا إلى محمد عليهما الصلاة والسلام.
قال بعض العلماء: ومرادهم بالاستفهام تفضيل معبوداتهم على عيسى.
قيل: لأنهم يتخذون الملائكة آلهة ، والملائكة أفضل عندهم من عيسى.
وعلى هذا فمرادهم أن عيسى عبد من دون الله ، ولم يكن ذلك سبباً لكونه في النار ، ومعبوداتنا خير من عيسى ، فكيف تزعم أنهم في النار.
وقال بعض العلماء: أرادوا تفضيل عيسى على آلهتهم.
والمعنى على هذا أنهم يقولون: عيسى خير من آلهتنا ، أي في زعمك وأنت تزعم أنه في النار ، بمقتضى عموم ما تتلوه من قوله {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّم} [الأنبياء: 98] .
وعيسى عبده النصارى من دون الله ، فدلالة قولك على أن عيسى في النار ، مع اعترافك بخلاف ذلك ، يدل على أن ما تقوله ، من أنا وآلهتنا ، في النار ليس بحق أيضاً.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} أي لد ، مبالغون في الخصومة ، بالباطل ، كما قال تعالى: {وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً} [مريم: 97] أي شديدي الخصومة.
وقوله تعالى: {وَهُوَ أَلَدُّ الخصام} [البقرة: 204] ، لأن الفعل بفتح فكسر كخصم ، من صيغ المبالغة ، كما هو معلوم في محله.
وقد علمت مما ذكرنا أن قوله تعالى هنا {وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً} [الزخرف: 57] الآية إنما بينته الآيات التي ذكرنا ببيان سببه.
ومعلوم أن الآية قد يتضح معناها ببيان سببها.