وقوله: وَلا يَكادُ يُبِينُ افتراء - أيضا - فإنه وإن كان قد أصاب لسانه في حال صغره شيء من جهة تلك الجمرة، فقد سأل ربه أن يحل عقدة من لسانه، فاستجاب الله - تعالى - له وفرعون إنما أراد بهذا الكلام، أن يروج على رعيته، لأنهم كانوا جهلة أغبياء .. .
وقوله - تعالى: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ، إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ بيان لما كان عليه فرعون من لؤم وخداع، ولما كان عليه قومه من جبن وخروج على طاعة الله - تعالى -.
أي: وبعد أن قال فرعون لقومه ما قال من تطاول على موسى - عليه السلام - طلب منهم الخفة والسرعة والمبادرة إلى الاستجابة لما قاله لهم، فأجابوه إلى طلبه منهم، لأنهم كانوا قوما خارجين على طاعتنا، مؤثرين الغي على الرشد، والضلالة على الهداية ..
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبتهم فقال: فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ. فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ.
وقوله: آسَفُونا أي: أغضبونا أشد الغضب، من أسف فلان أسفا، إذا اشتد غضبه وسَلَفاً أي: قدوة لمن بعدهم من الكفار في استحقاق مثل عقوبتهم. وهو مصدر وصف به على سبيل المبالغة، ولذا يطلق على القليل والكثير. يقال: سلفه الشيء سلفا، إذا تقدم ومضى. وفلان سلف له عمل صالح، أي: تقدم له عمل صالح ومنه: الأسلاف، أي:
المتقدمون على غيرهم.
أي: فلما أغضبنا فرعون وقومه أشد الغضب، بسبب إصرارهم على الكفر والفسوق والعصيان، انتقمنا منهم انتقاما شديدا، حيث أغرقناهم أجمعين في اليم.
فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً أي قدوة لمن بعدهم في الكفر في استحقاق مثل عقوبتهم كما جعلناهم مَثَلًا أي: عبرة وموعظة لِلْآخِرِينَ الذين يعملون مثل أعمالهم ..
وبذلك نرى في هذه الآيات الكريمة، جانبا من قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه.
ويتجلى في هذا الجانب من القصة طغيان فرعون، واستخفافه بعقول قومه، ومجاهرته بالكذب والفجور .. فكانت عاقبتهم جميعا الدمار والبوار. انتهى انتهى {التفسير الوسيط، لـ طنطاوي. 13/ 85 - 90} ...