وما في قوله: بِما عَهِدَ عِنْدَكَ مصدرية: أي: بعهده عندك، والمراد بهذا العهد: النبوة. وسميت عهدا، لأن الله - تعالى - عاهد نبيه أن يكرمه بها، أو لأن لها حقوقا تحفظ كما يحفظ العهد.
وقوله: إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ مرتب على كلام محذوف.
أي: وحين أخذنا فرعون وقومه بالعذاب، قالوا لموسى - على سبيل التذلل والتعظيم من شأنه - يا أيها الساحر الذي غلبنا بسحره وعلمه، ادع لنا ربك بحق عهده إليك بالنبوة، لئن كشف عنا ربك هذا العذاب الذي نزل بنا إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ أي إننا لمؤمنون ثابتون على ذلك، متبعون لك في كل ما تأمرنا به أو تنهانا عنه.
فدعا موسى - عليه السلام - ربه أن يكشف عنهم العذاب، فأجاب الله دعوته بأن كشف عنهم، فماذا كانت النتيجة؟ كانت النتيجة أنهم نقضوا عهودهم، واستمروا على كفرهم، كما قال - تعالى -: فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ أي: فحين كشفنا عنهم العذاب الذي حل بهم إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ أي: إذا هم ينقضون عهدهم بالإيمان فلا يؤمنون. يقال: نكث فلان عهده ونقضه، إذا لم يف به.
ومن سوء أدبهم أنهم قالوا: ادع لنا ربك، فكأن الله - تعالى - رب موسى وحده، وليس ربا لهم.
وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى -: وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا
رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ، لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ، وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ. فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ.
ثم حكى - سبحانه - جانبا من طغيان فرعون وفجوره، واستخفافه بعقول قومه فقال:
وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ ... أي: أن فرعون جمع زعماء قومه، وأخبرهم بما يريد أن يقول لهم.
أو أنه أمر مناديا ينادى في قومه جميعا، ليعلمهم بما يريد إعلامهم به، وأسند - سبحانه - النداء إلى فرعون، لأنه هو الآمر به.
والتعبير بقوله: فِي قَوْمِهِ يشعر بأن النداء قد وصل إليهم جميعا ودخل في قلوبهم.