{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ أَنّى يُصْرَفُونَ (69) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} (70) [غافر: 69 - 70] الآيات منطبقة على الفلاسفة، صادقة عليهم، إما بخصوصهم/ [366 ل] ، أو في عموم مدلولها؛ لأن الفلاسفة بنوا أمرهم على أن البرهان العقلي لا يعارضه شيء، ثم تسامحوا حتى عدوا ما ليس ببرهان برهانا، إما وهما منهم أو هوى، أو عصبية، أو غير ذلك، فإذا قرروا شبهة هي عندهم برهان؛ جادلوا بها الكتب المنزلة على الأنبياء، إما بالتكذيب المحض، أو بالتأويل الباطل، فإذا سمعوا الكتب تثبت الصفات لله، تأولوها على أن مقاصدها ثابتة له لذاته؛ لئلا يلزم تعدد القدماء، ويتأولون الملائكة على قوى الأفلاك ونحوها، والرسل على قوم حكماء، ذوي سياسة ونفوس قوية، تنفعل لها العنصريات يضعون قوانين حافظة لنظام
العالم، وأنها دائمة أبدا بدوام العالم أبدا لا تنقطع، وكلما دثرت ملة ظهرت أخرى.
[وإذ سمعوا من يقول: إن محمدا خاتم النبيين لا نبي بعده، سخروا من عقله، كما حكي عن بعضهم أنه رأى الناس يركضون عند إقامة الجمعة، ليدركوها، فوقف متعجبا يقول:
سبحان الله، ما فعل هذا العربي بالناس؟ يعني النبي صلّى الله عليه وسلّم نسبة إلى العرب - إنما يستخف عقول الناس حتى أجابوه إلى مثل هذه الخفة/ [176 ب/م] : زعم. ويتأولون المعاد على الروحاني دون الجسماني، ويثبتون قدم العالم، وأنه أزلي أبدي، وأن الله - عز وجل - إنما يفعل بالطبع والإيجاب، لا بالقدرة والاختيار، وغير ذلك من أصولهم، كقولهم:] إن النعيم والعذاب فيما بعد الموت عقلي لا حسي، كل ذلك على خلاف ما جاءت به الرسل، وأنزلت به الكتب.
وإذا تأدبوا مع الشرائع تأولوا نصوصها على ما يوافق أصولهم، ثم لا يبالون كان التأويل قريبا من الظاهر، أو بعيدا جدا شبيها بالتلاعب، كقول بعضهم في عصا موسى: