وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ، لِأَنَّ الصَّعْقَةَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْمَوْتُ وَالشُّهَدَاءُ وَإِنْ كَانُوا عِنْدَ اللَّهِ أَحْيَاءً كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فَإِنَّهُمْ قَدْ ذَاقُوا الْمَوْتَ قَبْلَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا عَنَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ الَّذِينَ صَعِقُوا عِنْدَ نَفْخَةِ الصَّعْقِ، لَا مِنَ الَّذِينَ قَدْ مَاتُوا قَبْلَ ذَلِكَ بِزَمَانٍ وَدَهْرٍ طَوِيلٍ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادَ بِذَلِكَ مَنْ قَدْ هَلَكَ، وَذَاقَ الْمَوْتَ قَبْلَ وَقْتِ نَفْخَةِ الصَّعْقِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ مَنْ قَدْ هَلَكَ، فَذَاقَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ مِمَّنْ لَا يُصْعَقُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إِذَا كَانَ الْمَيِّتُ لَا يُجَدَّدُ لَهُ مَوْتٌ آخَرُ فِي تِلْكَ الْحَالِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: يَسْتَثني اللَّهُ وَمَا يَدَعُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَلَا أَهْلِ الْأَرْضِ إِلَّا أَذَاقَهُ الْمَوْتَ؟
قَالَ قَتَادَةُ: قَدِ اسْتَثْنَى اللَّهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ إِلَى مَا صَارَتْ ثنيتَهُ.
قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ قَالَ:"أَتَانِي مَلَكٌ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ اخْتَرْ نَبِيًّا مَلِكًا، أَوْ نَبِيًّا عَبْدًا؛ فَأَوْمَأَ إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعْ، قَالَ: نَبِيًّا عَبْدًا، قَالَ فَأُعْطِيتُ خَصْلَتَيْنِ: أَنْ جُعِلْتَ أَوَّلَ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضَ، وَأَوَّلَ شَافِعٍ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَجِدُ مُوسَى آخِذًا بِالْعَرْشِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَصِعِقَ بَعْدَ الصَّعْقَةِ الْأُولَى أَمْ لَا؟"