عن الإيمان بقرينة قَوْلُه تَعَالَى: (وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ) ولو ترك الطاعة لكان
أوفق بمذهب أهل السنة.
قوله: (وهو تقرير لأنهم يرون كَذَلكَ) تنبيه عَلَى ارتباطه بما قبله ولذا اخْتيرَ الفصل.
قوله: لأنهم الخ. يشعر بأنهم يرون كَذَلكَ في حال كونهم في جهنم والظَّاهر أن ذلك في
العرصات لكن بعد اطلاعهم عَلَى أنهم من أهل النَّار.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(61)
قوله: (وَيُنَجِّي اللَّهُ) هذا عَلَى عادة الْقُرْآن من أن يشفع الترغيب بالترهيب تنشيطًا
لما ينجي وتثبيطًا عَمَّا يردي.
قوله: (وقُرئَ «وَيُنَجّي» . [بِمَفازَتِهِمْ] . بفلاحهم) أي وينجي الله الَّذينَ اتقوا عن الشرك والمعاصي عن
مثوى المتكبرين وعن عذاب الْمُشْركينَ حال كونهم ملابسين بفلاحهم أي بمطلوبهم
الأقصى في [جنة] المأوى.
قوله: (مفعلة من الفوز) أي مصدر ميمي منه. قيل أما من فاز بالمطلوب أي ظفر به
فـ [حِينَئِذٍ] الباء متعلقة بمَحْذُوف هُوَ حال من الموصول مفيدة لمقارنة تنجيتهم من العذاب لنيل
الثواب فقَوْلُه تَعَالَى: (لا يمسهم السوء) الخ. إما حال أخرى من الموصول
أو من ضمير مفازتهم، وإما من فاز منه أي نجا منه والباء للملابسة فـ [حِينَئِذٍ] يكون قَوْلُه تَعَالَى:
(لا يمسهم) تفسير أو بيانًا لمفازنهم أي ينجيهم الله تَعَالَى ملتبسين بنجاتهم
الخاصة بهم أي بنفي السوء والحزن عنهم انتهى. والأَولى الاحتمال الأول كما هُوَ الظَّاهر
من كلام الْمُصَنّف.
قوله: (وتفسيرها بالنجاة) أي المفازة بالنجاة أي من العذاب كما قيل فـ [حِينَئِذٍ] يكون
تكرارًا، فالأَولى بالنجاة بالثواب.
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: وهو تقرير لما أنهم يرون كَذَلكَ. معنى التقرير مُسْتَفَاد من همزة الإنكار ووضع الظَّاهر
مَوْضع المضمر المفيد للتعليل.
قوله: وتفسيرها بالنجاة تَخْصيصها بأهم [أقسامه] . أي وتفسير المفازة بالنجاة كما قال صاحب
الكَشَّاف بمفازتهم أي بفلاحهم أو بسبب منجاتهم تَخْصيص لها بأهم [أقسامه] من قوله تَعَالَى(فَلا
تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ)أي بمنجاة منه لأن النجاة أهم أقسام الفوز لأنها
من أعظم الفلاح وتفسيرها بالسعادة والعمل الصالح إطلاق لاسم المسبب عَلَى السبب فإن الفوز مسبب
من السعادة الأَزَليَّة وسبق العمل الصالح (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ(101) .
ولهذا فسر ابْن عَبَّاسٍ المفازة بالْأَعْمَال الحسنة، فتفسير المفازة بالفلاح حمل عَلَى
الْحَقيقَة يدل عليه قولهم فاز بكذا إذا ظفر بمراده. وفي الأساس: طوبى لمن فاز بالثواب، [وفاز] من العقاب
أي ظفر ونجا تفسيرها بالنجاة حمل عَلَى الْحَقيقَة أَيْضًا لأن اسْتعْمَال العام في بعض أفراده كما إذا قلت:
رأيت اليوم إنسانًا وأردت به زيدًا حَقيقَة لا مَجَازًا، وأما تفسيرها بالعمل الصالح [فمجاز] وهو ظَاهر.