وإنما اقتصر في التمييز على الواحد لبيان الجنس وقرئ {مثلين} .
{الحمد للَّهِ} الذي لا إله إلا هو {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} فيشركون به غيره.
مثل الكافر ومعبوديه بعبد اشترك فيه شركاء بينهم تنازع واختلاف، وكل واحد منهم يدعي أنه عبده فهم يتجاذبونه ويتعاورونه في مهن شتى وهو متحير لا يدري أيهم يرضي بخدمته، وعلى أيهم يعتمد في حاجاته، وممن يطلب رزقه، وممن يلتمس رفقه، فهمه شعاع وقلبه أوزاع، والمؤمن بعبد له سيد واحد فهّمه واحد وقلبه مجتمع {إِنَّكَ مَيِّتٌ} أي ستموت {وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} وبالتخفيف من حل به الموت، قال الخليل أنشد أبو عمرو:
وتسألني تفسير ميت وميّت ... فدونك قد فسرت إن كنت تعقلُ
فمن كان ذا روح فذلك ميت ... وما الميت إلا من إلى القبر يحملُ
كانوا يتربصون برسول الله صلى الله عليه وسلم موته فأخبر أن الموت يعمهم فلا معنى للتربص وشماتة الفاني بالفاني، وعن قتادة: نعى إلى نبيه نفسه ونعى إليكم أنفسكم أي إنك وإياهم في عداد الموتى لأن ما هو كائن فكأن قد كان.
{ثُمَّ إِنَّكُمْ} أي إنك وإياهم فغلب ضمير المخاطب على ضمير الغيب {يَوْمَ القيامة عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} فتحتج أنت عليهم بأنك بلغت فكذبوا واجتهدت في الدعوة، فلجّوا في العناد ويعتذرون بما لا طائل تحته، تقول الأتباع: أطعنا ساداتنا وكبراءنا، وتقول السادات: أغوتنا الشياطين وآباؤنا الأقدمون.
قال الصحابة رضي الله عنهم أجمعين: ما خصومتنا ونحن إخوان! فلما قتل عثمان رضي الله عنه قالوا: هذه خصومتنا.
عن أبي العالية: نزلت في أهل القبلة وذلك في الدماء والمظالم التي بينهم.
والوجه هو الأوّل ألا ترى إلى قوله {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى الله} وقوله {والذي جَاء بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ} وما هو إلا بيان وتفسير للذين تكون بينهم الخصومة. انتهى انتهى. {تفسير النسفي حـ 4 صـ 49 - 57}