فكان هؤلاء الذين تخرجوا منها تاج خير أمة أخرجت للناس، أولئك أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -، أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فرضي الله عنهم، ورضوا عنه: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100) } [التوبة: 100] .
ومن هؤلاء، وبهؤلاء ظهر نور العلم .. وظهر نور العمل .. وكان كمال
الإخلاص والمتابعة.
ثم أصيب العلم بثلاث آفات:
الأولى: أنه خرج من المسجد إلى خارج المسجد فانطفأ نوره، وبقي في الأذهان بصورة معلومات لا تحرك القلب والبدن، ولا تبعث على العمل.
الثانية: أنه تولد عن هذا العلم الكبر وكثرة الجدل عند العالم والمتعلم بسبب عدم العمل به، وثمرة العلم الإلهي التواضع لله، والعمل به، فانطفأ نور آخر.
الثالثة: أنه فقد الإخلاص؛ لأن حطام الدنيا بدأ يؤكل به، وصار القفز إلى المناصب والوظائف عن طريقه، ولم يطلب لله تعبداً، فانطفأ نور آخر من نوره، بل هو أعظم نوره.
وعلم بلا نور .. ولا تواضع .. ولا إخلاص .. ظلمة على ظلمة على ظلمة، ظلمات بعضها فوق بعض، فأنى تبصر الأمة طريقها في هذه الظلمات.
والعلم هو قائد العمل، والعمل ثمرة العلم.
ولقبول العمل شروط:
الأول: الإيمان بالله، وهو التوجه إليه بالعمل.
الثاني: الإخلاص، وهو توحيده بذلك العمل.
الثالث: العلم، وهو أن يكون مطابقاً لما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الرابع: حفظ العمل بحسن الأخلاق.
فلو كانت أعمال العبد كالجبال وهو يؤذي الناس فهو خاسر؛ لأن الناس يأخذون حسناته يوم القيامة.