أما الليل فسكونٌ لا انشغال فيه، فالجوارح كلها خالصة لوجه الله، لا تشغلها المرائي والأصوات. وهذا الجو يوفر لك وقفة حقيقية وخاشعة بين يدي الله.
وفي القنوت تترك النوم وتحرم نفسك راحتها، لتقوم بين يدَيْ ربك ساجداً أو قائماً؛ لذلك يقول الشاعر:
خَلوْتُ إلى رَبِّي فَهِمْتُ بِقُرْبه ... وَصِرْتُ خَفِيفَ النفْسِ كَأنِّي بِلاَ جسْمِ
تَلوْتُ كِتابَ الله فيا نعمَ ... ما عُوِّضْتُ مِنْ نعمةِ النَّوْمِ
تَمنَّيتُ ليْلي أنْ يطُولَ لأنتهي ... إلى السِّين مِنْ والنّاسِ موصُولة باسْمِ
هذه صفة أهل القنوت الذين يقضون الليل في مناجاة ربهم، وهذا هو حال المرتحل في كتاب الله الذي لا ينتهي إلى السين من والناس حتى يبدأ في بسم الله الرحمن الرحيم في أوله؛ لذلك سبق أنْ قُلْنا: إن القرآن كله مبني على الوصْل، لا على الوقف.
فهل يستوي مَنْ هذا حاله مع مَنْ كفر بالله؟ هذا علم وعمل، ولذلك لم يعلم أو علم ولم يُوظِّف علمه فيما ينفعه. ثم إن العبد حينما يعلم ويعمل بعلمه يُفيض الله عليه بالمزيد، فيعطيه علمَ المكاشفة، وعلمَ الفيض، رحمةً منه سبحانه وفضلاً، كما رأينا في قصة العبد الصالح الذي صاحبه سيدنا موسى - عليه السلام - قال تعالى في شأنه:
{آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً} [الكهف: 65] كذلك الرحمة هنا في {وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزمر: 9] أي: الفيوضات الخاصة التي يفيض الله بها على مَنْ ظل في معيته، ونحن نشاهد هذا في عالم البشر، فحين يكون لك صديق يلازمك ويسير في معيتك لا بُدَّ أن تخصَّه بفضلك وخصوصياتك، فما بالك بمَنْ ظل في معية ربه؟ أيعطيك بلا خصوصية؟ أيُسوِّيك بمَنْ يؤدي الفرض وحده؟
لذلك قال سبحانه في الحديث القدسي:"ما تقرب إليَّ عبدي بمثل ما افترضتُه عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورِجْلَه التي يمشي بها، ولئن سألني لأُعطينه".
وهكذا يدخل العبد في الربانية التي تقول للشيء كُنْ فيكون، وهذه من الفيوضات لمن كان لله ساجداً أو قائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، يعبده بلا رياء ولا سمعة، ويمنع نفسه النومَ والراحة؛ لأنه أنِسَ بربه، واستراح في قربه.