والظاهر أن الرسول إذا بعث إلى قوم مختلطين بغيرهم أن تعم رسالته جميع الخليط لأن في تمييز البعض بالدعوة تقريراً لكفر غيرهم.
ولهذا لما بعث الله موسى عليه السلام لتخليص بني إسرائيل دعا فرعون وقومه إلى نبذ عبادة الأصنام، فيحتمل أن المقدرين بمائة ألف هم اليهود وأن المعطوفين بقوله: {أوْ يَزِيدُونَ} هم بقية سكان (نينوَى) .
وذكر في كتاب يونس أن دعوة يونس لمّا بلغت ملكَ نينوَى قام عن كرسيه وخلع رداءه ولبس مِسحاً وأمر أهل مدينته بالتوبة والإِيمان الخ.
ولم يذكر أن يونس دعا غير أهل نينوَى من بلاد أشور مع سعتها.
وروى الترمذي عن أُبيّ بن كعب قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى: {وأرسلناهُ إلى مائة ألففٍ أو يَزِيدونَ} قال:"عشرون ألفاً".
قال الترمذي: حديث غريب.
فحرف {أو} في قوله: {أوْ يزيدونَ} بمعنى (بل) على قول الكوفيين واختيار الفراء وأبي علي الفارسي وابن جنّي وابن بَرْهان.
واستشهدوا بقول جرير:
ماذا ترى في عيال قد برَمْت بهم ... لم أُحصصِ عدتهم إلا بعَدَّاد
كانوا ثمانين أو زادوا ثمانية ... لولا رجاؤك قد قَتَّلْتُ أولادي
والبصريون لا يجيزون ذلك إلا بشرطين أن يتقدمها نفي أو نهي وأن يعاد العامل، وتأولوا هذه الآية بأن {أو} للتخيير، والمعنى إذا رآهم الرائي تخير بين أن يقول: هم مائة ألف، أو يقول: يزيدون.
ويرجحه أن المعطوف بـ {أو} غير مفرد بل هو كلام مبيّن ناسب أن يكون الحرف للإِضراب.
والفاء في {فَآمَنُوا} للتعقيب العرفي لأن يونس لما أرسل إليهم ودعاهم امتنعوا في أول الأمر فأخبرهم بوعيد بهلاكهم بعد أربعين يوماً ثم خافوا فآمنوا كما أشار إليه قوله تعالى: {فلولا كانت قرية ءامنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين} [يونس: 98] . انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 23 صـ}