ومنها: ما نقل عن الأصمعي أنه قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح، فقال: يا أصمعي، أين عقلك؟ ومتى كان إسحاق بمكة؟ وإنما كان إسماعيل بمكة، وهو الذي بنى البيت مع أبيه، والمنحر بمكة.
ومنها: أن الله تعالى وصف إسماعيل بالصبر، دون إسحاق، في قوله تعالى:
وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ [الأنبياء 21/ 85] وهو صبره على الذبح، ووصفه أيضا بصدق الوعد في قوله: إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ [مريم 19/ 54] لأنه وعد أباه الصبر على الذبح، فوفى به.
ومنها: الآثار الصحيحة المقطوع بها بان الذبيح إسماعيل عليه السلام، وهو
منقول عن ابن عباس، وابن عمر، وعلي، وأبي هريرة، وأبي الطّفيل عامر بن واثلة من الصحابة، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، ومجاهد، والشعبي، ويوسف بن مهران، والربيع بن أنس، ومحمد بن كعب القرظي، والكلبي، وعلقمة، وأبي جعفر محمد بن علي، وأبي صالح من التابعين رضي الله عنهم، قالوا: الذبيح إسماعيل. قال القرطبي: وهذا القول أقوى في النقل عن النبي ص وعن الصحابة والتابعين.
ولكن اليهود حسدوا العرب على هذا الفضل بأن يكون أبوهم إسماعيل هو الذبيح، فزادوا في التوراة وحرفوها، ودسّوا في روايات الآثار وبعض الأحاديث أن الذبيح إسحاق، وسرى ذلك بين بعض الصحابة وبعض المسلمين محتجين بدليلين:
الأول- إنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام قبل هذه الآية أنه قال:
إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ والمراد منه بالإجماع مهاجرته إلى الشام، ثم قال: فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ فوجب أن يكون هذا الغلام ليس إلا إسحاق.
ثم قال بعده: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ والغلام الذي بلغ معه السعي هو ذلك الغلام الذي حصل في الشام، فثبت أن مقدمة هذه الآية تدل على أن الذبيح هو إسحاق. وكذلك آخر الآية يدل أيضا على ذلك، لأنه تعالى لما تمم قصة الذبيح قال بعده: وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ وإنما بشره بهذه النبوة لتحمّله هذه الشدائد في قصة الذبيح، فأول الآية وآخرها يدل على أن الذبيح هو إسحاق عليه السلام.