قالُوا: ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ أي ابنوا له بنيانا واسعا واملؤوه حطبا كثيرا، وأضرموا فيه النار، ثم ألقوه في تلك النار المسعرة.
فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً، فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ أي أرادوا به سوءا بحيلة ومكر، وإحراقه في النار، فأنجيناه منها، وجعلناها بردا وسلاما عليه، ولم تؤثر فيه أدنى تأثير، وجعلنا له النصر والغلبة، وجعلناهم المهزومين المغلوبين الأذلّين حيث أبطلنا كيدهم.
ولما نجا إبراهيم عليه السلام ونصره الله على قومه، وأيس من إيمانهم قرر الهجرة ومفارقتهم، كما قال تعالى:
وَقالَ: إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ أي إني مهاجر من بلد قومي الذين آذوني، تعصبا للأصنام، وكفرا بالله، وتكذيبا لرسله، إلى حيث أمرني بالمهاجرة إليه، حيث أتمكن من عبادته، وإنه سيهديني إلى ما فيه صلاح ديني ودنياي، وهو الأرض المقدسة بالشام.
وهذا دليل على وجوب الهجرة من المكان إلى مكان آخر، إذا لم يتمكن المؤمن من إقامة شعائر دينه.
وفي أثناء الهجرة دعا ربه بأن يرزقه الولد، فقال:
رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ أي رب هب لي ولدا صالحا يعينني على طاعتك، ويؤنسني في الغربة.
فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ أي فبشرناه بصبي ذكر يكبر ويصير ذا حلم كثير. وهذا الغلام كما قال ابن كثير: هو إسماعيل عليه السلام، فإنه أول ولد بشّر به إبراهيم عليه السلام، وهو أكبر من إسحاق باتفاق المسلمين وأهل الكتاب، بل في نص كتابهم أن إسماعيل عليه السلام ولد، ولإبراهيم عليه السلام ست وثمانون سنة (86) وولد إسحاق، وعمر إبراهيم عليه السلام تسع وتسعون سنة (99) .
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
1 -الأنبياء والرسل وإن طال الزمان بينهم مهمتهم واحدة وهي الدعوة إلى توحيد الله والإيمان بالرسل وبالبعث، وإلى أصول الأخلاق والفضائل.
2 -كان إبراهيم الخليل عليه السلام ذا قلب مخلص من الشرك والشك، ناصح لله عز وجل في خلقه، عالم بأن الله حق، وأن الساعة قائمة، وأن الله يبعث من في القبور.