أَي: قال قوم إِبراهيم حين انقطعت بهم الحجة، وأَعياهم الجواب المقنع - قالوا: ابنوا له حائطًا ضخمًا، وبنيانا كبيرا وأجمعوا فيه الأَحطاب، وأَضرموا فيها النار، وأَلْقوه في لهيبها المتقد، وجحمتها المتأَججة عقوبة له على فعلته، وتخلصا من خطره وسطوته.
98 - {فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ} :
أَي: وأَراد قومه بهذا العمل معه كيدا به وإِحراقًا له، فرد الله كيدهم إلى نحورهم , وجعل النار برهانًا على صدق دعوته وعلو قدره حيث جعلها عليه بردا وسلامًا، وجعلهم الأَذلين المقهورين الأسفلين.
{وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) }
المفردات:
{ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي} : مهاجر إلى حيث أَمرني. أَو ذاهب إلى حيث أَتجرد لعبادته.
{هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} : ارزقني الولد الصالح.
التفسير
99 - {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} :
أَي: وقال إِبراهيم - عليه السلام - بعد أن نجاه ربُّه من كيد قومه، وجعل النار بردا وسلامًا عليه، وبعد أَن يئس من إيمانهم، وكره المقام معهم - قال: إِني مهاجر إلى حيث أَمرني ربِّي - يريد الهجرة إلى الشام - أَو إِني مهاجر إلى حيث أَتجرد لعبادته، وأَخلص لتقديسه وتسبيحه.
ومعنى سيهدين: سيرشدني ويوفقني إلى ما فيه صلاح ديني وراحة نفسي.
وَبَتَّ القول في الهداية لسبق الوعد، أَو لفرط توكله، أَو بناء على ما جرت به السوابق معه ولم يكن كذلك حال موسى - عليه السلام - حيث قال: عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي
سَوَاءَ السَّبِيلِ بصيغة الرجاء والتوقع لعدم سبق الوعد معه، أَو لأَنه كان بصدد أَمر دنيوي فناسبه عدم الجزم.
100 - {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} :
هذه الآية اتجاه من إبراهيم - عليه السلام - إِلى ربه وتضرع إِليه أَن يرزقه من ذريته ما يعينه، ويجبر ضعفه، ويشد أَزره، والمعنى: ربِّ ارزقني بعض الصالحين يعينني على الدعوة والطاعة، ويؤنسني في الغربة ويواسيني في الكربة، يعني بهذا طلب الولد لأَن الهبة عند الإطلاق تخصه غالبًا.