وتصديق الرؤيا: تحقيقها في الخارج بأن يعمل صورة العمل الذي رآه يقال: رؤيا صادقة ، إذا حصل بَعدها في الواقع ما يماثل صورةَ ما رآه الرائي قال الله تعالى: {لقد صدق اللَّه رسوله الرؤيا بالحق} [الفتح: 27] .
وفي حديث عائشة:"أول ما بُدِىءَ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة ، فكان لا يرى رؤياً إلا جاءت مثل فَلَق الصبح".
وبضد ذلك يقال: كذبتْ الرؤيا ، إذا حصل خلاف ما رأى.
وفي الحديث:"إذا اقترب الزمان لم تكد تَكذب رؤيا المؤمن"، فمعنى {قد صدَّقْتَ الرؤيا} قد فعلتَ مثل صورة ما رأيت في النوم أنك تفعله.
وهذا ثناء من الله تعالى على إبراهيم بمبادرته لامتثال الأمر ولم يتأخر ولا سأل من الله نسخ ذلك.
والمراد: أنه صدق ما رآه إلى حدِّ إمرار السكين على رقبة ابنه ، فلما ناداه جبريل بأن لا يذبحه كان ذلك الخطابُ نسخاً لما في الرؤيا من إيقاع الذبح ، وذلك جاء من قِبل الله لا من تقصير إبراهيم ، فإبراهيم صدَّق الرؤيا إلى أن نهاه الله عن إكمال مِثالها ، فأُطلق على تصديقه أكثرَها أنه صدَّقها ، وجُعِل ذبح الكبش تأويلاً لذبح الولد الواقع في الرؤيا.
وجملة {إنَّا كذلك نَجزي المحسنين} تعليل لجملة {وناديناهُ} لأن نداء الله إياه ترفيع لشأنه فكان ذلك النداء جزاء على إحسانه.
وهذه الجملة يجوز أن تكون من خطاب الله تعالى إبراهيمَ ، ويجوز أن تكون معترضة بين جُمل خطاب إبراهيم ، والإِشارة في قوله: {كذلك} إلى المصدر المأخوذ من فعل {صَدَّقتَ} من المصدر وهو التصديق مثل عَود الضمير على المصدر المأخوذ من {اعدلوا هو أقرب للتقوى} [المائدة: 8] ، أي إنا نجزي المحسنين كذلك التصديق ، أي مثل عظمة ذلك التصديق نجزي جزاءً عظيماً للمحسنين ، أي الكاملين في الإِحسان ، أي وأنت منهم.